درعا/ رجاء مختار
لا تُقاس الأزمات في درعا جنوبي سوريا فقط بما هو ظاهر للعيان من فقر أو نقص خدمات، بل بما يتسلل بصمت إلى أجساد الناس ويستقر فيها طويلاً. داء اللشمانيا، المعروف محلياً باسم “حبة حلب”، أصبح واحداً من أكثر الأمراض انتشاراً في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، متحولاً من حالات فردية محدودة إلى مشكلة صحية واسعة تمس آلاف العائلات، خاصة في الأرياف والمناطق ذات البنية الخدمية الضعيفة.
في أحد أحياء درعا البلد، تجلس أم محمد قرب نافذة بيتها، تراقب ابنها الصغير وهو يحاول إخفاء يده المصابة بقطعة قماش. تقول بحزن: “في البداية كانت مجرد نقطة حمراء، ظنناها لدغة حشرة، لكن بعد أسابيع كبرت وبدأت تتقرح”. لم تكن أم محمد تعرف أن هذه العلامة الصغيرة هي بداية إصابة باللشمانيا، مرض ينقله ذباب الرمل، ويزدهر في البيئات التي تكثر فيها النفايات والمياه الراكدة وغياب حملات الرش والتنظيف.
انتشار اللشمانيا في درعا لا يمكن فصله عن الظروف البيئية والخدمية الصعبة. تراكم القمامة قرب الأحياء السكنية، انتشار الأبنية المدمرة، وجود حظائر الحيوانات داخل القرى، وغياب الصرف الصحي في بعض المناطق، كلها عوامل وفرت بيئة مثالية لتكاثر الحشرات الناقلة للمرض. ومع ضعف حملات المكافحة، باتت الإصابة أمراً شائعاً، خاصة بين الأطفال.
في قرية ريفية غرب درعا، أصيب أكثر من عشرة أطفال في حي واحد خلال فترة قصيرة. أبو أحمد، أحد سكان القرية، يقول: “لم نعد نستغرب عندما نرى طفلاً مصاباً. كل بيت تقريباً لديه حالة أو حالتان”. هذا الاعتياد القسري على المرض يعكس حجم انتشاره، ويشير إلى تحوله من حالة طبية إلى ظاهرة اجتماعية مؤلمة.
المشكلة لا تتوقف عند الإصابة نفسها، بل تمتد إلى صعوبة العلاج. كثير من الأهالي يواجهون تحديات في تأمين الدواء، سواء بسبب بعد المراكز الصحية أو نقص الأدوية أو ارتفاع تكاليف العلاج في العيادات الخاصة. ريم، طالبة جامعية، أصيبت باللشمانيا في وجهها. تقول: “لم يكن الألم الجسدي هو الأصعب، بل الخوف من الأثر الذي سيبقى على وجهي”. استغرقت رحلة علاجها أشهراً، تنقلت خلالها بين مراكز صحية مختلفة، وسط قلق دائم من عدم تحسن الحالة.
الآثار النفسية للمرض لا تقل خطورة عن آثاره الجسدية. الندوب التي يتركها، خاصة على الوجه والأطراف، تؤثر على ثقة المصابين بأنفسهم، وتخلق شعوراً بالخجل أو العزلة، لا سيما لدى الأطفال والمراهقين. معلم في إحدى مدارس درعا يروي كيف أصبح بعض التلاميذ يتجنبون المشاركة في الصف خوفاً من سخرية زملائهم بسبب آثار المرض الظاهرة.
في الريف الشرقي، تعمل سعاد، وهي متطوعة في مجال التوعية الصحية، على زيارة المنازل وتقديم نصائح بسيطة للوقاية. تقول: “نحاول أن نشرح للناس أهمية تنظيف محيط المنازل واستخدام الناموسيات، لكن الإمكانيات محدودة، والناس منهكة من كثرة الأزمات”. جهود التوعية هذه، رغم أهميتها، تبقى غير كافية في ظل غياب برامج شاملة لمكافحة المرض.
الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من اللشمانيا في درعا. كثير منهم يصابون بأكثر من قرحة في الجسم، ما يتطلب علاجاً طويلاً ومتابعة مستمرة. أم ليث، وهي أم لثلاثة أطفال، تقول: “اثنان من أولادي مصابان. أقضي وقتي بين العلاج والاهتمام بهم، وأخشى أن يصاب الثالث”. هذا القلق الدائم أصبح جزءاً من حياة كثير من الأمهات، خاصة في المناطق التي تشهد إصابات متكررة.
العامل الاقتصادي يلعب دوراً كبيراً في تفاقم المشكلة. فالفقر يدفع العائلات إلى السكن في بيوت غير مهيأة صحياً، أو قرب مكبات النفايات، ويمنعها من اتخاذ إجراءات وقائية بسيطة. كما أن بعض الأهالي يؤخرون العلاج بسبب تكلفته، ما يؤدي إلى تفاقم الحالة وترك آثار دائمة.
في إحدى القرى الجنوبية، حاول الأهالي تنظيم حملة تنظيف تطوعية بعد ارتفاع عدد الإصابات. جمعوا النفايات، وردموا الحفر، وحاولوا رش بعض المبيدات المتوفرة. يقول أحد المشاركين: “فعلنا ما استطعنا، لكننا نحتاج إلى دعم حقيقي، فالمشكلة أكبر من جهود فردية”. هذه المبادرات تعكس وعي المجتمع، لكنها تكشف أيضاً حجم العجز أمام انتشار المرض.
داء اللشمانيا في درعا لم يعد مجرد مسألة صحية، بل بات مؤشراً على تدهور الواقع البيئي والخدمي. المرض يكشف هشاشة النظام الصحي المحلي، ويظهر كيف يمكن لخلل بسيط في النظافة أو الوقاية أن يتحول إلى أزمة واسعة. وبين طفل يخفي يده المصابة، وفتاة تقلق من أثر سيبقى على وجهها، وأم تخشى على أبنائها، تتشكل صورة موجعة لمعاناة مستمرة.
ورغم قتامة المشهد، لا يزال الأمل قائماً في الحد من انتشار اللشمانيا عبر تكاتف الجهود، وتحسين الخدمات، وتعزيز التوعية، وتأمين العلاج بشكل منتظم. فالمعركة مع هذا المرض ليست مستحيلة، لكنها تتطلب اهتماماً حقيقياً، لأن تركه ينتشر بصمت يعني ترك آثار طويلة الأمد على صحة المجتمع ومستقبل أفراده. وفي درعا، حيث اعتاد الناس الصمود، يبقى الأمل بأن لا تتحول “حبة حلب” إلى جرح دائم في حياة الأجيال القادمة.