القنيطرة/ رجاء مختار
في تطور ميداني جديد يعكس تصاعد التوتر في جنوب سوريا، واصلت القوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات مداهمات واسعة داخل القرى الواقعة في حوض اليرموك بريف محافظة درعا الغربي، شملت اعتقالات لسكان محليين خلال ساعات الليل قبل الإفراج عن بعضهم لاحقاً، في مشهد يثير تساؤلات بشأن مدى التمدد العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية وفعالية الحكومة السورية الانتقالية في مواجهته، إلى جانب دور المجتمع الدولي في هذا السياق الحساس.
شهدت قرى حوض اليرموك خلال الأيام الماضية سلسلة من الأحداث التي تركت أثراً نفسياً واضحاً على السكان.
ويقول أبو حسن، صاحب محل خضار في قرية صغيرة قرب المعارية، إن قوات إسرائيلية اقتحمت قريته في منتصف الليل، وطلبت من جميع السكان الخروج إلى الساحات العامة، بينما قامت بتفتيش المنازل والمحال التجارية. كان لديه شاب في العشرين من عمره، ابن شقيقه، اقتادوه إلى خارج القرية لساعات قبل أن يعود دون أي تفسير، تاركاً العائلة في حالة من الخوف والتوتر الشديد.
أبو حسن وصف المشهد قائلاً: “لم أشعر بهذا الخوف منذ سنوات الحرب الأولى، كان صوت العربات والجنود في الشارع كأنها تعيد ذكريات الحرب التي لم نتمكن من تجاوزها”.
في حادثة أخرى، روت سالمة، امرأة خمسينية من بلدة قريبة من حوض اليرموك، كيف اقتحمت القوات الإسرائيلية منزلها في منتصف الليل، وطلبت منها وزوجها وطفليهما الثلاثة الخروج من البيت، بينما كانوا يقومون بتفتيش الغرف والأبواب. تقول سالمة: “كنت أحتضن طفلي الرضيع وكلما اقترب الجنود كنت أشعر بأن الأرض تتهشم تحت قدمي”. بعد ساعات، أفرجت القوات عن زوجها وطفليها، بينما أبقت على ابنها الأكبر للاحتجاز والتحقيق، ما أوقع الأسرة في حالة من القلق النفسي الشديد على مصيره.
هذه الاعتقالات الليلية جاءت في وقت تتزايد فيه التحركات العسكرية الإسرائيلية في العمق السوري، حيث دخلت دوريات إلى القرى القريبة من خط التماس في قنيطرة ودرعا، وأنشأت نقاط تفتيش مؤقتة، وطلبت من السكان إبراز هوياتهم ومعلومات عن قادمين جدد.
أحد سكان القرية، فراس، شاب في منتصف العشرين من عمره، وصف الموقف قائلاً: “كانوا يسيرون بين البيوت وكأنهم يملكون الحق في كل شيء، شعرت أن حياتي اليومية تحولت إلى مراقبة مستمرة، لا أستطيع الخروج أو الذهاب إلى أي مكان دون خوف”.
ولم تقتصر التحركات الإسرائيلية على الاعتقالات فحسب، بل شملت انتشار وحدات عسكرية داخل القرى الحدودية، مع إقامة نقاط تفتيش على الطرقات، وتفتيش المركبات، وهو ما زاد شعور السكان بانتهاك سيادتهم وممتلكاتهم.
يقول أحد المزارعين، أبو سامر: “دخلوا إلى مزرعتي فجأة، وأخذوا معي الوثائق المتعلقة بالأرض دون أي مبرر، تركوني أشعر بأن كل ما عملت عليه طوال سنوات يمكن أن يُسلب مني في لحظة”.
هذه الأحداث دفعت الأهالي إلى تنظيم احتجاجات ومظاهرات في أكثر من قرية، رفعوا خلالها لافتات تطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية واحترام سيادة الأراضي السورية.
ضحايا هذه المظاهرات هم شباب وفتيات أصغر من أن يعرفوا معنى السياسة، لكنهم يعرفون الخوف والألم الذي خلفته المداهمات الليلية، يقول أحد المتظاهرين: “لم نعد نريد أن نعيش في الخوف، أطفالنا يستيقظون من الكوابيس كل ليلة، ونحن لا نملك حماية لهم”.
ويأتي هذا التمدد العسكري الإسرائيلي في ظل موجة من الغارات والاشتباكات على عدة جبهات في جنوب سوريا، لا سيما في درعا وقنيطرة، حيث يسمح الوضع الأمني الهش بإجراء مثل هذه العمليات، في حين يراها الخبراء جزءاً من استراتيجية أوسع لفرض نفوذ طويل المدى على الأراضي السورية، وتقليص قدرة أي سلطة مركزية على السيطرة على الحدود والمناطق الحساسة.
الحكومة السورية الانتقالية لم تصدر حتى الآن أي موقف قوي من هذه العمليات، مكتفية بإدانات لفظية، وهو ما يترك السكان في مواجهة مباشرة مع واقع أمني هش، دون أي حماية فعلية.
يرى بعض المحللين أن هذا الصمت يعكس هشاشة الدور العسكري والسياسي للحكومة الانتقالية، ويزيد من الشعور بعدم وجود سلطة تحمي المواطنين، خصوصاً في مناطق النزاع الحدودية.
أما على الصعيد الدولي، فقد أثارت هذه الأحداث ردود فعل متباينة، حيث أعرب بعض المسؤولين عن القلق من التوسع العسكري الذي قد يؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة، بينما رفضت أطراف أخرى التدخل المباشر، معتبرة أن الحل السياسي الشامل هو الطريق الوحيد لإنهاء مثل هذه الأزمات.
لكن، هل سيستمر هذا التمدد الإسرائيلي على الأرض، وهل سيكون هناك رد فعل دولي حقيقي لوقفه؟ الواقع على الأرض يشير إلى أن السكان المحليين يعيشون بين مطرقة المداهمات الليلية وسندان الخوف من المستقبل، بينما قصصهم اليومية تعكس حجم المعاناة الإنسانية التي تتركها هذه العمليات، قصص مثل قصص أبو حسن وسالمة وفراس، التي أصبحت تمثل حياة الملايين في مناطق النزاع السورية.