لكل السوريين

عام على سقوط النظام… الاقتصاد السوري بين إرث الماضي وتحديات المستقبل

تقرير/ جمانة الخالد

بعد مرور أكثر من عام على التغيير السياسي في سوريا، ما تزال المشاريع الاقتصادية الموعودة حبيسة أدراج الحكومة وخطاباتها الإعلامية، في مشهد يذكرنا بمقولة “الحلم المؤجل” التي طالما رافقت الأحلام الاقتصادية في دول ما بعد الصراع. فالمواطن السوري، الذي عانى ويلات الحرب لسنوات، يجد نفسه اليوم أمام واقع اقتصادي لا يقل قسوة، حيث تتهاوى القوة الشرائية وتتدنى الخدمات الأساسية، بينما تتراكم الأسئلة حول مصير تلك الوعود البراقة التي بشرت بها السلطة الجديدة.

في شوارع دمشق ومدنها، يمكن للمراقب أن يلاحظ بسهولة ذلك التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي المتفائل والواقع الملموس. فالمشاريع الكبرى التي أعلن عنها، مثل إعادة إعمار المناطق المدمرة وتشغيل المعامل والمصانع، لم تخرج بعد من دائرة التصريحات الإعلامية. حتى المشاريع الصغيرة، مثل تأهيل شبكات المياه والكهرباء، تسير ببطء شديد لا يتناسب مع حجم الاحتياجات الملحة للمواطنين. هذا المشهد لا يختلف كثيراً عما عاشته دول الجوار بعد مراحل التحول السياسي، حيث تبقى الوعود حبراً على ورق لسنوات طويلة.

اللافت في المشهد الحالي هو ذلك الغموض الذي يلف الموازنة العامة وآليات تمويل مشاريع الإعمار. فلم تقدم الحكومة حتى الآن أي تفاصيل واضحة حول مصادر التمويل أو خطط الإنفاق، مما يثير تساؤلات عديدة حول مصير الأموال التي خصصت رسمياً لإعادة الإعمار. هذا الغياب للشفافية يذكرنا بتجربة العراق بعد عام 2003، حيث أشارت تقارير “الشفافية الدولية” إلى أن الأنظمة الهشة غالباً ما تستخدم الموارد العامة لتعزيز نفوذ النخب الحاكمة بدلاً من خدمة الصالح العام. ورغم الإيرادات النفطية الضخمة التي تجاوزت 115 مليار دولار في العراق العام الماضي، لم يتحسن وضع البنية التحتية المهترئة بشكل ملموس، مما يشير إلى استمرار تسرب الأموال عبر قنوات الفساد.

أما على صعيد البنية التحتية، فالصورة لا تختلف كثيراً. فمعاناة المواطنين مع انقطاع الكهرباء والمياه ما تزال تتكرر يومياً، دون أن تظهر في الأفق أي مشاريع جادة لمعالجة هذه الأزمات المزمنة. الطرق الرئيسية بين المحافظات ما تزال تعاني من التدهور، مما يؤثر سلباً على حركة نقل البضائع والتبادل التجاري، ويرفع كلفة المعيشة بشكل عام. هذه المعاناة تذكرنا بالواقع العراقي الذي لا تطفو على سطحه سوى مشاريع محدودة رغم الحاجة الماسة إلى إصلاحات شاملة.

في القطاع الخاص، تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة صعوبات جمة في الاستمرار، حيث تفتقد البيئة الاستثمارية لأبسط مقومات الجذب. فالإجراءات البيروقراطية المعقدة، وعدم استقرار السياسات الاقتصادية، واستمرار ظاهرة الفساد الإداري، كلها عوامل تجعل من المستحيل على رجال الأعمال والمستثمرين المحليين والأجانب المغامرة باستثمار أموالهم في سوريا الحالية. وهنا تبرز مفارقة مهمة بالمقارنة مع العراق، الذي استطاع خلال عام 2024 إبرام سلسلة من الاتفاقيات الثنائية والدولية الواضحة، بدءاً من اتفاقيات الربط الكهربائي مع دول الجوار وصولاً إلى الاتفاق التاريخي مع الولايات المتحدة، مما منحه هامشاً أكبر للمناورة وجذب الاستثمارات.

على الصعيد الدولي، يبدو الموقف من سوريا حذراً للغاية، حيث تفرض المؤسسات المالية الدولية شروطاً صارمة تتعلق بالإصلاح السياسي ومكافحة الفساد وضمان الشفافية. هذه الشروط، رغم أهميتها، تتعارض مع واقع الحكم في سوريا، مما يخلق حالة من الجمود تعيق عملية إعادة الإعمار المنشودة. وهذا يختلف عن السياق العراقي الذي شهد علاقات دولية أكثر وضوحاً، حيث أبرم اتفاقيات ثنائية ودولية واضحة ساهمت في دعم عملية إعادة الإعمار.

تمثل تجربة التعداد السكاني في العراق عام 2024 أنموذجاً مهماً لسوريا عن كيفية بناء السياسات على بيانات دقيقة. فبعد انقطاع دام 27 عاماً، أجرى العراق أول تعداد شامل له، مُعلناً أن عدد سكانه بلغ 46,118,793 نسمة، مع نسبة 60.44% منهم في سن العمل. هذه البيانات لا تقدر بثمن لتخطيط الموازنات وتوزيع الموارد وتحديد أولويات التنمية. في المقابل، ستواجه سوريا تحدياً كبيراً في التخطيط لمستقبلها ما لم تقم بخطوة مماثلة، حيث أن جميع خططها الحالية تُبنى على تقديرات سكانية غير دقيقة بسبب سنوات الحرب والنزوح.

تكشف التجربة العراقية أن إعادة الإعمار ليست مجرد بناء للجسور والطرقات، بل هي عملية مؤسساتية معقدة. ففي العراق، وعلى الرغم من المشاريع الكبرى المعلنة في مجال الطاقة والبنى التحتية، لا تزال معاناة المواطنين مع انقطاع الكهرباء والمياه تتكرر يومياً. هذا يؤكد لسوريا أن الأولوية يجب أن تكون لإصلاح الحوكمة وبناء المؤسسات القادرة على إدارة وتشغيل المشاريع بشكل مستدام، وليس فقط لإنشائها. فالمشاريع التي تفتقد للإدارة الرشيدة مصيرها التدهور والسقوط، بغض النظر عن حجم الاستثمارات التي تضخ فيها.

وتثبت التجارب الدولية، وخاصة في دول مشابهة مرت بظروف مماثلة، أن النجاح في معادلة إعادة الإعمار يتطلب توفر عدة شروط أساسية، أبرزها الإرادة السياسية الحقيقية، والشفافية المطلقة في إدارة الموارد، ومحاربة الفساد بشكل جذري، وإشراك الكفاءات الوطنية في عملية البناء. فبدون هذه الشروط، تتحول برامج الإعمار إلى مجرد أحلام وردية تزيد من معاناة المواطنين وخيباتهم.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمتلك السلطة الجديدة الإرادة الحقيقية لتحقيق النقلة النوعية التي يتطلع إليها السوريون؟ أم أن العام القادم سيشهد المزيد من الوعود المؤجلة والمشاريع الوهمية؟ الواقع الحالي يشير إلى أن سوريا ما تزال بعيدة عن الانطلاقة الاقتصادية الحقيقية، وأن طريق التعافي سيكون طويلاً وشائكاً، ما لم تتضافر جهود جميع الأطراف لتحقيق نقلة نوعية تليق بتضحيات الشعب السوري وتطلعاته المشروعة نحو غد أفضل.

- Advertisement -

- Advertisement -