دمشق/ مرجانة إسماعيل
لم يعد مشهد الأطفال في شوارع دمشق التي أنهكها الزمن، وهم يلهون بالقدّاعات الغازية مفاجئاً للمارة. تحت جسر الرئيس وبالقرب من سوق الحميدية، يجلس أطفال في عمر الزهور، تتراوح أعمارهم بين التاسعة والخامسة عشرة، يرفعون القدّاعات إلى أنوفهم ويستنشقون الغاز بعمق وكأنهم يبحثون عن عالم آخر. يقول ياسر ذو الإثني عشر ربيعاً: “بحس حالي طاير وبنسى الجوع والبرد”، بينما يضيف رفيقه محمد: “الإحساس بيجي فجأة، بحس الدنيا عم تدور، الشباب كلهم بيعملوها”.
هذه الظاهرة الخطيرة لم تنشأ من فراغ، بل هي نتاج طبيعي لبيئات مفككة يعيش فيها هؤلاء الأطفال. يوضح الدكتور خالد السعيد، الأخصائي الاجتماعي، أن “الكثير من هؤلاء الصغار فقدوا أهلهم خلال الحرب، أو يعيشون في أسر تعاني من الفقر المدقع”. ويضيف أن “المواد الطيارة أصبحت وسيلتهم للهروب من واقع مؤلم، فهم يبحثون عن لحظات من النشوة تنسيهم آلامهم اليومية”.
من الناحية الطبية، تحمل هذه الممارسة مخاطر جسيمة على حياة الأطفال. يحذر الدكتور نبيل القاسم، الاختصاصي في الأمراض العصبية، من أن “استنشاق غاز البوتان يؤدي إلى تلف غير قابل للعلاج في الخلايا العصبية”. ويشرح بالتفصيل أن “هذه المواد تسبب تآكلاً في المادة البيضاء بالدماغ، مما يؤدي إلى تراجع القدرات الإدراكية، وضعف الذاكرة، وتغير في الشخصية”، مشيراً إلى تسجيل حالات توقف قلب مفاجئ في مشافي دمشق نتيجة الاستنشاق المكثف.
المأساة تتجلى في سهولة الحصول على هذه المواد القاتلة، حيث تباع عبوات الغاز بشكل علني في محلات بيع القداحات والأدوات المكتبية. تاجر في سوق الحميدية يحاول تبرير الأمر بقوله: “أبيع القداحات بشكل قانوني، كيف أتحكم فيما يفعله الزبائن بها؟”، بينما يدفع الأطفال ما يعادل خمسة آلاف ليرة سورية للعبوة الواحدة، وهي تكلفة زهيدة مقابل صحتهم وحياتهم.
في حي الميدان، تروي أم محمد قصة مؤلمة عن ابنها الذي فقدته بسبب هذه العادة القاتلة. تقول بين الدموع: “كنت أظنه يلعب مع أقرانه، حتى وجدته ذات يوم فاقداً للوعي”. أما في ريف دمشق، تحاول المعلمة فاطمة علي تنظيم جولات توعوية مع فريق متطوع، لكنها تعترف بأن “جهودنا تبقى محدودة أمام ضخامة المشكلة”.
غياب البرامج الوقائية يشكل تحدياً إضافياً في مواجهة هذه الظاهرة. الناشطة في مجال حماية الطفل سمر الحلبي تؤكد أن “المبادرات الفردية لا تكفي لمواجهة هذه الكارثة”، داعية إلى “خطة وطنية شاملة تشمل التوعية، وبرامج إعادة تأهيل، ومراكز إيواء، وضبطاً لبيع هذه المواد”.
الحلول المقترحة تتراوح بين إنشاء مراكز إيواء وتأهيل متخصصة، وتطوير برامج توعية في المدارس والأحياء، وإصدار تشريعات تلزم البائعين بالتحقق من عمر المشترين. كما يشدد الخبراء على أهمية دعم الأسر الفقيرة لمنع انحراف الأطفال، وإشراك المجتمع المحلي في برامج الرقابة.
تبقى معاناة أطفال شوارع دمشق واحدة من أقسى جراح المدينة التي لم تلتئم بعد. فخلف كل قداحة غاز، هناك طفولة ضائعة، وحلم مفقود، ومستقبل يتبخر في هواء العاصمة التي تواجه تحديات جسيمة في حماية براءتها المهددة.