لكل السوريين

شراكات التنمية في درعا والقنيطرة… أملٌ يواجه البيروقراطية وضعف التنسيق

درعا/ رجاء مختار

كانت رغد تتحدث وهي تجلس أمام ماكينة خياطة في ورشة صغيرة أنشأتها بمساعدة منظمة محلية في ريف درعا الشرقي: “كنا ننتظر دعماً من جهة حكومية، لكن المشروع تأخر بسبب الموافقات والروتين، فبدأنا بجهودنا”.

وفي القنيطرة، يروي سعيد تجربته مع برنامج تدريبي نفذته منظمة أهلية بالشراكة مع وزارة معنية: “تعلمنا كثيراً، لكن ما في متابعة بعد التدريب، كأن المشروع انتهى بانتهاء الورشة”.

هاتان القصتان تعكسان حال الشراكات التنموية بين الحكومة الانتقالية ومنظمات المجتمع المدني في الجنوب السوري، التي تحاول بناء جسور تعاون لتحسين الخدمات وتمكين المجتمعات، لكنها تصطدم بعقباتٍ مزمنة تقيد حركتها وتضعف أثرها.

خلال السنوات الأخيرة، توسعت في محافظتي درعا والقنيطرة مبادرات تهدف إلى إشراك منظمات المجتمع المدني في التنمية المحلية.

أنشئت مشاريع صغيرة لتدريب النساء والشباب، وتحسين البنى التحتية، وتقديم خدمات قانونية واجتماعية للمحتاجين، لكن على الرغم من النوايا الطيبة، فإن هذه الشراكات غالباً ما تبقى محدودة النتائج، بسبب ضعف التنسيق بين الأطراف الرسمية والمدنية، وطغيان البيروقراطية التي تجعل الإجراءات أطول من عمر المشروع نفسه، كثير من الجمعيات المحلية قدمت مقترحاتها إلى الوزارات، لكنها بقيت معلقة في انتظار الموافقات أو الدعم المالي الذي لا يصل في الوقت المناسب.

المشكلة لا تكمن في غياب المبادرات، بل في طريقة إدارتها. فالتعاون بين الحكومة الانتقالية والمنظمات غير الحكومية في الجنوب يعاني من غياب آلية واضحة لتحديد الأولويات وتوزيع الأدوار، الوزارات تخطط ضمن صلاحياتها، والمنظمات تنفذ وفق تمويلها، وغالباً لا يلتقي الطرفان إلا عند مرحلة الإعلان أو التقييم.

هذا التباعد يؤدي إلى تكرار المشاريع في مناطق محددة وتجاهل مناطق أخرى، أو إلى تنفيذ مشاريع شكلية لا تلامس احتياجات الناس الفعلية، بعض المنظمات تعمل بجهد حقيقي لكنها تصطدم بتعقيدات في التصاريح والموافقات، بينما تكتفي جهات رسمية بالتفرج على نشاط لا تستطيع دعمه أو مراقبته بفاعلية.

في درعا تحديداً، تبرز مشكلة ضعف التنسيق بين المنظمات العاملة في الريف الشرقي والهيئات المحلية، ما يجعل جهود إعادة تأهيل البنى الخدمية مشتتة، في القنيطرة تظهر مشكلة أخرى هي محدودية الموارد وغياب الخبرات الإدارية في المنظمات الصغيرة، مما يجعلها تعتمد على المانحين الخارجيين دون خطط استدامة محلية.

في كلا المحافظتين، المشاريع التي بدأت بحماس كبير انتهت سريعاً لأنها لم تُربط بخطط اقتصادية أو مؤسسات دائمة، بل ظلت رهينة التمويل الموسمي والظروف الأمنية والسياسية المتقلبة.

النتيجة أن المواطن الجنوبي، الذي ينتظر تحسناً في الخدمات، لا يلمس أثراً واضحاً لكل هذا الحراك التنموي. في القرى التي زارتها فرق منظمات المجتمع المدني، ما زالت الطرق غير مؤهلة، والمياه شحيحة، والخدمات القانونية للنازحين محدودة.

يقول أحد الناشطين المحليين: “العمل الأهلي مهم، لكن بدون تنسيق حكومي جاد يبقى مثل النقش على الرمل، يظهر ثم يزول مع أول ريح”. هذه النظرة تعكس شعوراً عاماً بالإحباط لدى السكان الذين باتوا ينظرون إلى المشاريع التنموية كأنها محاولات مؤقتة لا تغيّر الواقع جذرياً.

ورغم هذا الواقع، يرى بعض الخبراء أن الأمل لا يزال قائماً إذا ما أُعيد بناء آلية التعاون على أسس جديدة. المطلوب هو وضع إطار موحّد يجمع الوزارات والمنظمات في لجان تنسيق محلية دائمة، تحدد الأولويات وتوزع الأدوار وتراقب التنفيذ بشفافية.

يبقى جوهر القضية في الثقة والشفافية. إذا شعر المزارع، أو المرأة العاملة، أو الشاب المتدرب أن صوته مسموع وأن المشروع الذي ينفذه يعبّر عن حاجته الحقيقية، فإن التنمية ستصبح شراكة حقيقية لا مجرد عنوان. أما إذا استمرت البيروقراطية في تقييد المبادرات، وظل كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر، فستبقى جهود التنمية في درعا والقنيطرة مجزأة وضعيفة التأثير.

بين ورشة رغد الصغيرة ودورة سعيد القصيرة، تختصر حكاية الجنوب مسار الشراكات التنموية كلها: محاولات تنبت في أرضٍ خصبة لكنها تذبل سريعاً، في انتظار إدارة أكثر رشداً وتنسيقاً يعيد الحياة إلى مشاريعٍ خُلقت لتخدم الناس لا الملفات.

- Advertisement -

- Advertisement -