دمشق
أكدت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أغنيس كالامارد، أن سوريا تشهد مؤشرات واضحة على خطوات إصلاحية، إلا أن غياب الديمقراطية ما يزال مؤثراً في المشهد العام.
وفي مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس”، أوضحت كالامارد أن الحكومة السورية الانتقالية تبذل جهوداً لإظهار التزامها بمسار الإصلاح والعدالة الانتقالية والمصالحة، غير أن تلك الخطوات لم تترافق حتى الآن مع نظام ديمقراطي فعلي.
وبيّنت كالامارد أن المبادرات المطروحة حالياً، مثل عرض خطط الإصلاح القانوني على البرلمان، وتشكيل لجان مختصة بالعدالة الانتقالية، وفتح الباب أمام منظمات حقوق الإنسان وخبراء دوليين، تعكس توجهاً نحو التغيير، لكنها بحسب وصفها “مؤشرات جيدة لكنها ليست عميقة بعد”.
وذكرت أنها التقت مسؤولين سوريين بينهم وزير العدل في الحكومة الانتقالية، مظهر الويس، الذين أبلغوها بوجود مئات المعتقلين على خلفية انتهاكات النظام السابق، مشيرة إلى وجود مساعٍ لصياغة لوائح اتهام قريباً، مع طرح تساؤلات حول أسباب استمرار الاعتقال والجهات المخولة بالمحاكمة.
وشددت كالامارد على أن المنظومة القانونية السورية تحتاج إصلاحات عاجلة، لاسيما أن بعض الجرائم المصنفة دولياً كالأشد خطورة لم تُجرّم بعد في القوانين المحلية.
كما ناقشت خلال زيارتها القصيرة إلى دمشق عمل اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين، واللتين تعملان على جمع الأدلة من سجون النظام السابق في عملية وصفتها بأنها “طويلة وبطيئة”.
وأشارت إلى أن المجتمع الدولي لم يقدم دعماً على غرار ما قدمته دول أوروبية لتسهيل التحقيقات في أوكرانيا، معتبرة أن هذا التقصير يجب أن يتغير.
وأضافت أن انطباعها بعد زيارة سوريا هو أن المجتمع الدولي يتعامل مع الملف السوري باعتباره “أزمة يجب احتواؤها” أكثر من كونه قضية تحتاج إلى حلول جذرية.
ولفتت وكالة “أسوشيتد برس” إلى أن سوريا ما تزال تعاني حالة عدم استقرار بعد سقوط نظام بشار الأسد، وسط اتهامات موجهة لقوات موالية للحكومة الانتقالية بالتورط في أعمال عنف طائفية ضد أفراد من الأقليات العلوية والدرزية.
وكان رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، باولو بينيرو، قد حذر أواخر أكتوبر الماضي من أن موجة العنف الجديدة تهدد التفاؤل الذي تلا انهيار النظام السابق.
وأكد أن استمرار الانتهاكات دون محاسبة قد يعيد سوريا إلى دائرة العنف، مشيراً إلى أن الخطوات الأولى نحو العدالة مشجعة لكنها غير كافية طالما بقيت الانتهاكات ممنهجة.
وأوضح بينيرو أن اللجنة تلقت تقارير خطيرة حول عمليات إعدام ميدانية وتعذيب وتهجير قسري استهدفت مدنيين من الطائفة العلوية، مشيراً إلى أن أحداثاً شهدتها اللاذقية وطرطوس وحماة في مارس الماضي أودت بحياة نحو 1400 مدني، وأن بعض هذه الانتهاكات ارتُكب على أيدي قوات حكومية.
وأكد أن غياب المحاسبة وانتشار خطاب الكراهية يعززان احتمالات التصعيد، بينما تأمل اللجنة أن تنجح الهيئة الانتقالية للعدالة الوطنية والهيئة الوطنية للمفقودين في تعزيز المساءلة وترسيخ العدالة.
كما عبّر بينيرو عن قلقه من ازدياد المخاطر التي تواجه النساء والفتيات في سوريا، ومن بينها العنف الجنسي والاختطاف والزواج القسري، داعياً إلى تحركات جدية لمحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وحذر من أن استمرار الإفلات من العقاب بعد المجازر المتكررة قد يمهد لانفجار جديد، ما لم تُعتمد إصلاحات عاجلة وآليات واضحة للوقاية، مؤكداً أن التحديات الحالية تتطلب دعماً دولياً واسعاً واستثماراً فعلياً في مسار ترسيخ السلام وبناء العدالة.