لكل السوريين

الساحل السوري على أعتاب الشتاء.. معاناة السكان بين غياب الدعم وارتفاع الأسعار

تقرير/ اـ ن

مع اقتراب موسم الشتاء في سوريا، تعود المخاوف لتخيّم على سكان الساحل السوري، الذين يواجهون هذا العام تحديات مضاعفة بسبب غياب الدعم الحكومي وتراجع المساعدات الإنسانية.

في محافظتي اللاذقية وطرطوس، يعاني الأهالي من أزمة شاملة في تأمين مستلزمات التدفئة الأساسية، في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار، وانقطاع شبه كامل للكهرباء، ونقص شديد في مادة المازوت، ما يجعل البرد القارس أكثر قسوة هذا العام مقارنة بالمواسم السابقة.

يعيش سكان القرى الجبلية والريفية في ظروف مأساوية، إذ أن الحديث عن توزيع مازوت التدفئة بشكل رسمي لم يظهر حتى الآن، فيما تجاوزت أسعار السوق السوداء القدرة الشرائية لمعظم العائلات، لتصبح مجرد مادة كمالية لا يقدر عليها سوى القليل، الحطب الذي كان يشكّل أحد الحلول البديلة للتدفئة، أصبح شبه مستحيل الحصول عليه، بسبب الإجراءات الأمنية الصارمة التي تمنع الاقتراب من الغابات أو استخدام الأشجار حتى المحروقة منها.

الكهرباء، التي كانت في السنوات الماضية وسيلة مؤقتة للتدفئة من خلال المدافئ الكهربائية، باتت غير متوفرة تقريباً، نتيجة الانقطاع شبه الدائم للتيار الكهربائي في معظم المناطق.

وتقول جمانة، امرأة ثمانينية من ريف اللاذقية، إن الشتاء أصبح هذا العام أشد قسوة: “الشتاء قاسٍ في الجبال، لكن هذه السنة أشدّ قسوة لأننا بلا مازوت وبلا كهرباء، لم نعد نعرف على من نشتكي، الحكومة صامتة، ولا أحد يسأل عن الناس”، معبرة عن اليأس الذي يعم المجتمع في ظل غياب أي خطوات عملية للتخفيف من معاناتهم.

في الأسواق المحلية، تضاعفت أسعار الحطب والفحم خلال أسابيع قليلة، لتبلغ قيمة الطن الواحد من الحطب ثلاثة ملايين ليرة سورية، بينما تجاوز سعر لتر المازوت الحر 12 ألف ليرة، وهو مبلغ يفوق بكثير إمكانيات الموظفين والمتقاعدين، بالإضافة إلى أولئك الذين فقدوا وظائفهم مؤخراً.

ويشير بعض الباعة إلى أن الطلب على المواد المتاحة لا يزال مرتفعاً رغم الأسعار الباهظة، “الناس مضطرة، لا أحد يستطيع النوم في البرد”، كما يقول أحدهم، مضيفاً أن الغالبية تلجأ إلى شراء ما هو متوفر بغض النظر عن التكلفة العالية، فقط لتأمين حد أدنى من الدفء.

على الرغم من التفاعل الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي والشكاوى العلنية التي يطلقها الأهالي، لم تصدر حتى الآن تصريحات واضحة أو خطط عملية من الحكومة لمواجهة موسم الشتاء في الساحل السوري والمناطق الباردة.

بين الحين والآخر، ترد بعض الإشاعات عن وصول شحنات من المازوت والحطب، أو عن استعداد الجهات الرسمية لتوزيع مواد التدفئة، إلا أن المواطنين يرون في هذا الصمت “عجزاً أكثر مما هو تجاهل”، فيما تزداد ساعات المعاناة يوماً بعد يوم.

في ظل ضعف الاستجابة الرسمية وتراجع المبادرات الخيرية، يضطر سكان الريف الساحلي إلى اللجوء إلى وسائل بدائية للتدفئة، مثل إشعال النفايات أو استخدام الحطب الأخضر من أشجارهم المثمرة، رغم ما ينجم عن ذلك من دخان كثيف ورائحة خانقة تؤثر سلباً على صحة السكان والبيئة.

هذه الممارسات تعكس حجم الأزمة، إذ لم يعد الشتاء مجرد فصل من الفصول، بل أصبح اختباراً يومياً لقدرة الناس على الصمود في مواجهة انقطاع الخدمات الأساسية وغياب الأمل، وسط معاناة مستمرة تتفاقم مع كل يوم يمر.

تبقى الأزمة الراهنة في الساحل السوري انعكاساً لسنوات طويلة من الإهمال الحكومي، وتقاعس مؤسسات الحكومة عن تقديم الدعم الضروري للسكان في مواسم البرد، ما يفرض على المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية البحث عن حلول عاجلة، قبل أن تتحول الأزمة الإنسانية إلى كارثة حقيقية تهدد حياة آلاف الأسر، وتتركهم أمام خيار البقاء في ظروف صحية ومعيشية صعبة أو المخاطرة بالبرد القارس بدون أي حماية.

- Advertisement -

- Advertisement -