لكل السوريين

أزمات الاعتقال التعسفي في سوريا: تحديات حقوق الإنسان في المرحلة الانتقالية

منذ سقوط نظام بشار الأسد وإعلان حكومة انتقالية جديدة في سوريا، برز ملف مراكز الاعتقال والاختفاء القسري كمؤشر حاسم على مدى التزام السلطة الجديدة بمعايير حقوق الإنسان. على الرغم من وعود الإصلاح والتحول، تستمر تقارير منظمات حقوقية محلية ودولية في توثيق حالات اعتقال تعسفية واسعة، ممارسات قاسية ضد المحتجزين، وغياب الشفافية القانونية.

تم توثيق العديد من حالات الاعتقال التعسفي خلال النصف الأول من عام 2025 وحده، من بينها حالات اعتقال نساء. ويشير التقرير إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الاعتقالات نفذته قوات الانتقالية، بينما نفذت قوات أخرى عدداً من حالات الاعتقال ضمن مناطق نفوذها.

في شهر شباط من نفس العام، تم توثيق أكثر من 200 حالة اعتقال تعسفي، منها اعتقالات نفذتها سلطة داخلية تابعة للحكومة الانتقالية، واعتقالات نفذتها فصائل مسلحة مختلفة. التقرير يلفت إلى غياب ضمانات قانونية في كثير من هذه القضايا، مثل إصدار مذكرات احتجاز قضائية، والإجراءات القانونية العادلة، مما يعد خرقاً واضحاً للمعايير الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية.

وفي تقرير سنوي حول عام 2024، تم توثيق أكثر من 2600 حالة اعتقال تعسفي، من بينها ما يزيد على ألف حالة صنفت كاختفاء قسري. التقرير يضيف أن هذه الانتهاكات لم تكن مقتصرة على النظام القديم فقط، بل شملت أيضاً فصائل متعددة في الفترات الانتقالية، وهي فصائل لم تضمن بعد محاسبة شاملة لمن ارتكبوا الانتهاكات.

التقارير الشهرية لاحقة تؤكد استمرار هذه الظاهرة، ففي أغسطس 2025، سجلت أكثر من 120 حالة اعتقال تعسفي، وبعض هذه العمليات شملت حملات استهداف لأشخاص بتهم مرتبطة بممارسات النظام السابق، أو اتهامات أمنية دون توضيح واضح للاتهامات. التقرير يقول إن بعض من تم اعتقالهم أُفرج عنهم لاحقًا، لكنّ عملية الإفراج كثيرًا ما تفتقر إلى إجراءات قانونية شفافة أو محاكمة عادلة، مما يثير التساؤل حول مدى جدية الإصلاح القانوني.

التوثيق الحقوقي لا يكتفي بعدّ الأرقام؛ بل يسلط الضوء أيضاً على النواقص القانونية الخطيرة. فعديد من عمليات الاعتقال تمت دون ضمانات إجرائية، مثل إبلاغ المعتقلين بأسباب اعتقالهم، أو توفير محامي للدفاع، أو تمكينهم من الوصول إلى محكمة في وقت مناسب. كما أن هناك تأكيداً على تعرض بعض المحتجزين لسوء معاملة أو تعذيب أو ظروف احتجاز مهينة، مما ينتهك الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان واتفاقية مناهضة التعذيب.

المشاكل القانونية تتداخل مع تحديات تنظيمية: فالحكومة الانتقالية الجديدة لم تنجح حتى الآن في وضع إطار قانوني واضح ينظم مراكز الاحتجاز، مع عدم وجود هيئات رقابية مستقلة تُراقب السجون أو تتابع أوضاع المحتجزين. هذا الفراغ القانوني يُفسح المجال للاعتقال التعسفي والإفلات من العقاب، ويطالب الخبراء الحكومة بسنّ تشريعات تحمي الحقوق الأساسية للمعتقلين وتضع حداً لسياسة الإفلات من العقاب.

من الناحية الجغرافية، التقرير يشير إلى أن الاعتقالات التعسفية تتوزع على محافظات عدة، وليس فقط في مناطق النزاع أو الخلاف، مما يدل على أن المشكلة ليست محلية أو مؤقتة؛ بل هي ظاهرة مترسخة خلال المرحلة الانتقالية. بعض الاعتقالات تستهدف أشخاصاً سبق أن ارتكبوا انتهاكات خلال حكم النظام القديم، وهو أمر يطرح صداماً بين حق المحاسبة وبين حماية حقوق الإنسان والمقتضيات القانونية.

هذه الانتهاكات تثير ردود فعل من المجتمع الدولي والمراقبين الحقوقيين. فبينما بعض الجهات تتحدث عن “نقل لمرحلة ما بعد النظام”، يرى آخرون أن ما يحدث في مراكز الاحتجاز الجديدة لا يقل خطورة عن الانتهاكات السابقة إذا لم يكن هناك ضمانات قوية للمساءلة. هناك دعوات لتشكيل آليات عدالة انتقالية قانونية، تشمل تحقيقات مستقلة، فتح تحقيقات في التعذيب، تسهيل الزيارات لمنظمات حقوق الإنسان، وإطلاق سراح المحتجزين غير المشتبه بهم في جرائم خطيرة.

ومن جانب ذوي المعتقلين، ما زالت المعاناة مستمرة. عائلات كثيرة لا تعرف مصير أبنائها أو مكان احتجازهم، وهناك مخاطر من تكرار ظاهرة الاختفاء القسري التي تكرّرت على مدى سنوات الحرب. عدم توفر معلومات دقيقة عن أماكن الاحتجاز، أو محاكمات عادلة، يضع هؤلاء ذوي المحتجزين في معاناة نفسية مستمرة، ويسبب انعدام ثقة في السلطة الجديدة.

في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى مبادرات إصلاحية فورية من الحكومة الانتقالية. الإصلاح لا يجب أن يقتصر على إطلاق سراح العدد من المحتجزين، بل يشمل بناء نظام احتجاز قانوني يحترم حقوق الإنسان، مع آليات شفافة للمراقبة والمساءلة. من جانب المجتمع الدولي، هناك دور مهم يمكن أن يلعبه في دعم هذه الإصلاحات، من خلال ضغط دبلوماسي، دعم فني لمنظمات حقوق الإنسان المحلية، وضمان تمويل آليات العدالة الانتقالية.

إذا فشلت الحكومة الانتقالية في معالجة ملف الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري، فإن التغيير السياسي لن يترجم إلى تحول حقيقي في احترام حقوق الإنسان. وقد يتحول ملف المحتجزين إلى جرح مزمن في تاريخ المرحلة الانتقالية، بدلاً من أن يكون علامة على الانتصار الأخلاقي للقوى الجديدة. الإصلاح والعدالة لن يكونا فقط مطلباً حقوقياً، بل حجر الزاوية في بناء مستقبل سياسي مستقر يضمن كرامة جميع السوريين.

- Advertisement -

- Advertisement -