طرطوس/ اـ ن
تتفاقم أزمة النفايات في ريف محافظة طرطوس، ولا سيما في منطقة الدريكيش، وسط غياب واضح لاستراتيجية شاملة لإدارة هذا الملف الحيوي، حيث تكرر قرار تغيير موقع مكب النفايات عدة مرات خلال الفترة الماضية دون اعتماد خطة طويلة الأمد أو دراسات علمية دقيقة تراعي الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
ويبدو أن القرارات المتخذة في هذا الشأن لا تتعدى كونها ردود أفعال متأخرة على أزمات متلاحقة، أو محاولات للهروب من مشكلات قائمة دون معالجتها جذرياً. ويعكس هذا النمط من الإدارة تخطيطاً عشوائياً يفتقر إلى رؤية تهدف إلى بناء نظام مستدام لإدارة النفايات، يبدأ من الفرز من المصدر، مروراً بإعادة التدوير والمعالجة، وصولاً إلى التخلص الآمن منها. فالانتقال من مكب إلى آخر لا يمثل سوى تأجيلٍ للأزمة بدلاً من حلها، ما يزيد الأعباء على المجتمعات المحلية القريبة من مواقع المكبات.
وفي هذا السياق، أثار اختيار موقع لمكب النفايات الجديد على بُعد 500 متر فقط من المناطق السكنية في بلدة الدريكيش موجة من الانتقادات، واعتبر ناشطون بيئيون أن القرار يشكل كارثة بيئية تكشف ضعف الدراسات الجغرافية والبيئية التي يفترض أن تسبق تنفيذ أي مشروع بهذا الحجم والتأثير. كما أن تجاهل معايير الأمان البيئي، مثل ترك مسافات كافية بين المكبات والمناطق المأهولة، لا يعدّ فقط استخفافاً بالصحة العامة، بل يهدد أيضاً الاقتصاد المحلي في منطقة تعتمد على الزراعة والسياحة كمصدرين أساسيين للدخل.
ويطرح القرار أيضاً تساؤلات حول مبدأ العدالة البيئية، إذ غالباً ما تُخصَّص مواقع المكبات في مناطق تعاني أساساً من ضعف في الخدمات والبنى التحتية، ما يجعل سكانها يتحملون عبء التلوث والتدهور البيئي دون مراعاة لحقوقهم في بيئة نظيفة وصحية. هذا الواقع انعكس سلباً على جودة حياة الأهالي وصحتهم وسلامتهم.
كما أن غياب التنسيق بين الجهات المحلية زاد المشهد تعقيداً، ففي حالة مكب الدريكيش مثلاً، صدر القرار من محافظة طرطوس دون موافقة بلدية الدريكيش، ما أظهر تبايناً في المواقف الرسمية وغياباً للتخطيط المشترك، وجعل من إيجاد حل فعلي لمشكلة النفايات أمراً بالغ الصعوبة.
وتشير المعطيات إلى أن محافظة طرطوس حاولت التنصل من المسؤولية عقب احتجاجات الأهالي، بدلاً من مواجهة الأزمة بشفافية ومسؤولية، ما أدى إلى تصاعد التوتر والاحتقان الاجتماعي في المنطقة. ويصف مراقبون هذا النمط من الإدارة بأنه قائم على ردود الأفعال لا التخطيط، حيث تنتظر الجهات المعنية ردود فعل الأهالي بعد الإعلان عن أي موقع جديد، لا بهدف إشراكهم في القرار، بل لاختبار مستوى المقاومة الشعبية. وإذا ما قوبل القرار بالاحتجاج، يتم التراجع عنه مؤقتاً لامتصاص الغضب الشعبي، دون تقديم بدائل واقعية.
ويؤكد ما حدث في الدريكيش أنه تكرار لأخطاء سابقة، ما يدل على غياب الدروس المستفادة من التجارب الماضية، واستمرار النهج القائم على ترحيل المشكلة من موقع إلى آخر، دون الأخذ بالاعتبار الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على المدى الطويل.
ويرى خبراء البيئة والإدارة المحلية أن الخروج من هذه الدائرة المفرغة يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة المجتمع والبيئة فوق أي اعتبارات أخرى، إلى جانب تبنّي نهج شامل ومتكامل يقوم على التخطيط الاستراتيجي والتنسيق الفعّال والشفافية.
ويشدد هؤلاء على ضرورة وضع خطة وطنية لإدارة النفايات تشمل جميع مراحل المعالجة، من الفرز إلى التدوير والمعالجة النهائية، مع اعتماد أساليب علمية حديثة وتقنيات متطورة في المعالجة، وتطوير القدرات الفنية للمؤسسات المعنية، وتفعيل دور المجتمعات المحلية في صنع القرار، بما يضمن بيئة نظيفة وصحية للأجيال القادمة، ويحول دون تكرار الأزمات البيئية التي تعاني منها مناطق ريف طرطوس.