لكل السوريين

ألمانيا تمضي في خطط ترحيل السوريين رغم المخاوف القانونية والإنسانية

دمشق

تتجه الحكومة الألمانية إلى تسريع تنفيذ عمليات الترحيل إلى سوريا، رغم استمرار الأزمة الإنسانية الحادة هناك، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً بشأن قانونية وأخلاقية هذه الخطوة، فضلاً عن تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية المحتملة.

تعيش ملايين الأسر السورية داخل بلادها في ظروف صعبة وغير مستقرة، وسط مدن وقرى مدمرة ونقص حاد في المساكن والبنية التحتية.

ورغم ذلك، أعلنت الحكومة الألمانية نيتها توقيع اتفاق مع الحكومة الانتقالية في سوريا لتسريع إعادة لاجئي الحرب السوريين إلى وطنهم.

وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت، من الحزب المسيحي الاجتماعي، صرّح لصحيفة “راينيشه بوست” في نهاية أيلول الماضي بأنه يسعى إلى “التوصل إلى اتفاق مع سوريا قبل نهاية العام، لبدء ترحيل المجرمين أولاً، ثم من لا يحملون تصاريح إقامة”.

لكن مراقبين ومؤسسات حقوقية يؤكدون أن تنفيذ مثل هذا القرار سيكون صعباً، لأسباب قانونية وإنسانية متعددة.

وقال رئيس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا، غونزالو فارغاس يوسا، في تصريح لصحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” إن “سوريا بلغت أقصى حدودها، وقد استنفدت منذ فترة طويلة قدرتها على استيعاب المزيد من اللاجئين”، محذراً من أن “إعادة أعداد إضافية ستزيد الوضع سوءاً”.

وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، هناك حالياً نحو سبعة ملايين نازح داخل سوريا، بالإضافة إلى نحو مليون لاجئ عادوا من دول الجوار منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024.

كما أعلنت وزارة الداخلية الألمانية في آب الماضي أن حوالي 1300 سوري عادوا من ألمانيا إلى وطنهم منذ ذلك التاريخ.

شهادات للاجئين أكدت أن العودة إلى سوريا ما تزال محفوفة بالمخاطر، مشيرين إلى ندرة المساكن وارتفاع الأسعار في العاصمة دمشق، حيث تضطر عدة عائلات إلى تقاسم شقة واحدة. كما تحدثت الشهادات عن انهيار واسع في البنية التحتية، وصعوبات في تأمين الغذاء والماء والكهرباء.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 16.7 مليون شخص من أصل 25 مليوناً من سكان سوريا يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

ويتفاقم الوضع الأمني نتيجة انتشار كميات هائلة من الأسلحة في أيدي المدنيين، إذ لا يخلو بيت تقريباً من سلاح، بحسب ما ورد في بعض الشهادات.

كما أُفيد عن استمرار أعمال العنف ضد المكونات والطوائف المختلفة داخل سوريا، في ظل غياب الأمن المستدام الذي يشجع على العودة الطوعية.

الحكومة الألمانية أكدت أنها على تواصل مع الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، مشيرة إلى أن وزارة الداخلية ترى ضرورة إعادة المجرمين إلى أوطانهم.

غير أن خبراء القانون يشددون على أن أي اتفاق من هذا النوع لن يعني إمكانية تنفيذ عمليات الترحيل فوراً، إذ يجب دراسة كل حالة على حدة.

الباحث القانوني فالنتين فينبيرغ من جامعة لونبورغ أوضح أن قرارات الترحيل في ألمانيا تخضع لتقييم فردي، وأن “ارتكاب شخص ما جريمة لا يعني بالضرورة إمكانية ترحيله”، لأن القانون يمنع الترحيل في حال وجود خطر حقيقي على حياة الشخص في بلده الأصلي.

بدوره، أستاذ القانون العام والأوروبي والدولي في جامعة كونستانس، دانيال تيم، اعتبر أن عدد السوريين الذين سيحصلون على الحماية في ألمانيا قد يتراجع مستقبلاً بعد انتهاء الحرب رسمياً، لكنه شدد على أن أولويات الترحيل تبقى “سياسية وليست قانونية”.

كما وجّه سياسيون ألمان انتقادات حادة للخطة الحكومية، معتبرين أنها تتجاهل الواقع الإنساني في سوريا.

وصرّح حزب اليسار بأن “من يريد الترحيل إلى سوريا لا يفتقر فقط إلى البعد الأخلاقي، بل أيضاً إلى فهم للوضعين السوري والألماني على حد سواء”.

في المقابل، يلفت خبراء الاقتصاد إلى أن السوريين يلعبون دوراً مهماً في سوق العمل الألماني، خصوصاً مع ارتفاع نسبة المسنين في البلاد.

وتشير بيانات وكالة العمل الاتحادية الألمانية إلى أن نحو 236 ألف سوري يعملون حالياً في ألمانيا ويساهمون بدفع الضرائب وتنشيط الاقتصاد المحلي.

أما من الناحية الإدارية، فتشير بيانات وزارة الداخلية الألمانية إلى وجود أكثر من 225 ألف شخص من جنسيات مختلفة يفترض أن يغادروا البلاد، بينهم حوالي 9600 سوري يعيشون بتصريح “إقامة عدم ترحيل” (Duldung)، ما يعني أنهم غير مرخص لهم بالإقامة ولكن لا يمكن ترحيلهم لأسباب إنسانية أو قانونية.

ويرى الباحث فالنتين فينبيرغ أن تقييمات مفوضية الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية حول الوضع الإنساني في سوريا قد تؤثر مستقبلاً في قرارات المحاكم الألمانية المتعلقة بالترحيل، موضحاً أن “الوضع الإنساني الخطير أو الفقر المدقع في البلد الأصلي يمكن أن يشكل سبباً كافياً لمنع الترحيل قانونياً”.

- Advertisement -

- Advertisement -