تواجه الثروة الحيوانية في مناطق شمال وشرق سوريا عموماً، والرقة على وجه الخصوص، واحدة من أسوأ مراحلها خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تداخل عوامل متعددة أبرزها الجفاف المتكرر، تفشي الأمراض، وغلاء أسعار الأعلاف، ما جعل المربين أمام واقعٍ صعب يهدد مصدر رزقهم الرئيسي ويقوّض أحد أهم ركائز الاقتصاد الريفي في المنطقة.
خلال هذا العام، تسببت قلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة بتراجع كبير في المساحات الرعوية التي كانت تغطي مساحات واسعة من البادية والأراضي الزراعية. ولم يعد أمام المربين سوى الاعتماد على بقايا محاصيل القطن والذرة الصفراء كمصدرٍ بديلٍ للمراعي، إلا أن هذه البقايا باتت هي الأخرى مكلفة جداً، حيث وصل سعر ضمان الهكتار الواحد إلى نحو ٨٠٠ دولار أميركي، وهو رقم يفوق إمكانيات أغلب المربين.
نتيجة لذلك، اضطر العديد منهم إلى بيع جزء من قطعانهم لتسديد ديونهم أو لتأمين كميات محدودة من العلف، ما أدى إلى تراجع أعداد المواشي بشكلٍ ملحوظ خلال الأشهر الماضية.
إلى جانب شح المراعي، تفاقمت معاناة المربين بسبب انتشار الأمراض الحيوانية، خاصة تلك الناتجة عن سوء التغذية وضعف المناعة. وتشير شهادات من مربي الأغنام والأبقار في ريف الرقة إلى ارتفاع حالات النفوق بين المواليد الصغيرة ونقص الإنتاج من الحليب واللحوم.
كما ساهم ضعف الخدمات البيطرية وقلة اللقاحات في تدهور الوضع الصحي للقطعان، في ظل غياب حملات التحصين الدورية وندرة الأدوية البيطرية المدعومة، ما زاد من أعباء المربين الذين يواجهون الخسائر دون أي دعم حقيقي.
غلاء الأعلاف يضاعف الأزمة
شهدت أسعار الأعلاف ارتفاعاً كبيراً هذا العام، إذ تضاعفت تكلفة الطن الواحد من النخالة والشعير والذرة مقارنة بالأعوام السابقة، بينما بقيت أسعار منتجات المواشي على حالها تقريباً. هذا التفاوت الكبير بين كلفة الإنتاج وسعر البيع جعل تربية المواشي مشروعاً خاسراً في نظر الكثيرين، ودفع بعضهم إلى ترك المهنة نهائياً بعد أن كانت مصدر رزقهم الوحيد.
أمام هذا الواقع القاسي، يطالب مربو الماشية بضرورة تدخل عاجل من الجهات المعنية والمنظمات الداعمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فهم يرون أن الحل يبدأ بتوفير الأعلاف بأسعار مدعومة أو مجانية خلال فترات الجفاف لتخفيف العبء عن المربين، إلى جانب تأمين الأدوية واللقاحات البيطرية اللازمة عبر المراكز الزراعية وتنظيم حملات تحصين دورية ومجانية للقطعان للحد من انتشار الأمراض.
كما يشددون على أهمية حفر الآبار وإنشاء نقاط سقاية ثابتة في المراعي البعيدة لتأمين المياه للمواشي، إضافة إلى منح المربين قروضاً ميسّرة تساعدهم على تجديد قطعانهم المتضررة ومواصلة عملهم.