درعا/ رجاء مختار
في مساء خريفي هادئ بدرعا، جلست ليلى، الطفلة ذات العشر سنوات، تتلوى من ألم في بطنها بينما تحاول أمها تهدئتها بكوب ماء آخر. لم تدرك الأم أن الكوب نفسه هو مصدر وجع ابنتها. فالماء الذي يتدفق من الصنبور لم يعد صافياً، بل بات يحمل رائحة غريبة وطعماً مالحاً، ومعه خوفاً يلازم العائلة كل يوم. تقول الأم بلهجة يغلبها القهر: “لم أعد أجرؤ على ترك أطفالي يشربون من ماء البيت، لكن ماذا نفعل؟ شراء الماء لم يعد بمقدورنا”.
هذه القصة، وإن بدت خيالية، فهي تعكس واقع آلاف الأسر في محافظة درعا، حيث تحولت المياه من نعمة إلى تهديد صامت. ففي حي “شمال الخط” بمدينة درعا، تعيش عائلات منذ أكثر من عام ونصف على أصوات الشكاوى اليومية من جيرانها، بعد أن أصبح ماء الصنبور سبباً مباشراً في أمراض متكررة.
المشهد تكرر في بلدة الغارية الشرقية شرق درعا، حيث استيقظت عشرات العائلات على حالات تسمم جماعي بعد أن تسربت مياه الصرف الصحي إلى بئر ارتوازي يغذي الحي. الأهالي الذين حذروا من الخطر لم يجدوا سوى الإنكار، حتى تكررت الإصابات. “أبلغنا الجهات المسؤولة بأن الماء ملوث، لكنهم قالوا إنه صالح للشرب، حتى مرض أبنائي”، يروي أبو محمود بحسرة.
وفي مدينة نوى بريف درعا الغربي، تحولت أروقة المستشفى المحلي إلى ساحة ازدحام غير مسبوقة، بعد تسجيل أكثر من مئة إصابة بتسمم حاد. معظم الضحايا أطفال يعانون من قيء وإسهال شديدين، وأمهات ينتظرن بقلق أطباء أنهكتهم الحالات المتكررة.
أما بلدة الشجرة غرب المحافظة فكانت أكثر المناطق تضرراً، بعدما أصيب نحو 700 شخص بأعراض التهاب الكبد الفيروسي A نتيجة شرب مياه ملوثة. “حتى غسل الخضار لم يعد آمناً”، تقول سيدة خمسينية وقد بدا الاصفرار على وجهها كما على وجوه كثيرين في البلدة.
الأسباب وراء هذه الكوارث تتكرر: شبكات مياه قديمة متآكلة، اختلاط دائم مع الصرف الصحي، انقطاعات طويلة تدفع الناس لتخزين المياه في ظروف غير صحية، وغياب شبه كامل للرقابة. ومع غياب حلول جذرية، يضطر السكان لشراء المياه المعبأة بأسعار تثقل كاهلهم.
الضرر لا يقف عند حدود الصحة، بل يطول تفاصيل الحياة اليومية. أطفال تغيبوا عن مدارسهم، عمال فقدوا قوت يومهم، وأسر أنهكتها كلفة العلاج. أزمة المياه في درعا صارت عبئاً يومياً، جسدياً واقتصادياً ونفسياً.
اليوم، يطالب أهالي درعا بأكثر من الوعود. يريدون ماءً صالحاً للشرب، مراقبة شفافة، وصيانة حقيقية لشبكات أرهقها الزمن والإهمال. يقول أبو خالد وهو يملأ جالوناً من صهريج خاص: “الماء أساس الحياة، لكن في درعا صار أساس المرض”.
إن قصص درعا ليست مجرد أرقام في تقارير، بل حكايات بشر فقدوا ثقتهم بأبسط مقومات الحياة. وما لم تُعالج الأزمة بجدية، فإنها ستترك ندوباً عميقة في مجتمع أنهكته الحرب، وتضاعف معاناة سكان يبحثون فقط عن حق بسيط: شربة ماء آمنة.