لكل السوريين

ذهب الأمل: كيف يربط ارتفاع الأسعار بين أحلام السوريين والتحولات العالمية

درعا/ رجاء مختار

يحلم خالد وعهد، من درعا جنوبي سوريا بتأسيس أسرة، لكن حلمهما يصطدم بواقع مرير: ارتفاع أسعار الذهب الذي جعل “الشبكة” (المهر) حلماً بعيد المنال. هذا الوضع الشخصي يعكس قصة السوريين مع الاقتصاد العالمي، حيث تتحول التحديات الاقتصادية الكبرى إلى معاناة يومية، وتصبح القرارات المالية الصغيرة كشراء الذهب مرتبطة بالصراعات والتقلبات الدولية.

وشهدت أسواق الذهب العالمية في عام 2025 ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، مدفوعاً بتشابك عدة عوامل اقتصادية وجيوسياسية. تجاوز سعر الأونصة حاجز 3,800 دولار أمريكي، مسجلاً مستويات قياسية، وهو انعكاس لتزايد الطلب على المعدن النفيس كملاذ آمن في ظل تحديات اقتصادية عالمية متصاعدة.

يمكن تفسير هذا الصعود من خلال ثلاث قوى رئيسية. أولاً، تفاقم التضخم العالمي، حيث زادت معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى، ما دفع المستثمرين للبحث عن أصول تحافظ على قيمتها، مثل الذهب. على سبيل المثال، سجلت تركيا معدل تضخم سنوي بلغ 33.29% في أيلول 2025، مما أثر سلباِ على القوة الشرائية للعملة المحلية وزاد الطلب على المعدن النفيس.

ثانياً، تحولات السياسات النقدية للبنوك المركزية، إذ تشير توقعات الأسواق إلى احتمال قيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة، ما يعزز جاذبية الذهب كاستثمار بديل. هذا التوجه يعكس تراجع العوائد على الأصول الأخرى، ويحفز المستثمرين على تحويل أموالهم نحو الذهب.

ثالثاً، اشتعال التوترات الجيوسياسية، حيث أدت الخلافات بين القوى الكبرى، لا سيما بين الولايات المتحدة والصين، إلى زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق المالية، ما دفع المستثمرين للجوء إلى الذهب كملاذ آمن لتقليل المخاطر المرتبطة بالأصول التقليدية.

في هذا الإطار، برزت الصين كلاعب أساسي في سوق الذهب العالمي، إذ زادت مشترياتها بشكل كبير لتعزيز احتياطياتها. في الربع الثاني من 2025، بلغ الطلب الصيني على صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب 45 طناً، مرتفعاً من 18 طناً في الربع الأول، ليصل إجمالي الطلب في النصف الأول إلى 63 طناً، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق. تعكس هذه الزيادة استراتيجية الصين لتعزيز احتياطياتها، وتقوية عملتها، وتقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي، وتعزيز استخدام اليوان في المعاملات الدولية.

تشير التوقعات المستقبلية إلى استمرار صعود أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة. وفقاً لبنك “إتش.إس.بي.سي”، قد تتجاوز الأونصة 4,000 دولار قريباً، مدفوعة بمزيج من التوترات الجيوسياسية، والضبابية الاقتصادية، وتحديات استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. كما يتوقع مصرف “يو بي إس” وصول السعر إلى 4,200 دولار للأونصة منتصف عام 2026، مع استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية والمستثمرين المؤسسيين.

في سوريا، انعكس هذا الارتفاع العالمي مباشرة على الأسواق المحلية، حيث بلغ سعر جرام الذهب عيار 24 نحو 124.21 دولار في 3 أكتوبر 2025، وبلغ عيار 21 حوالي 108.69 دولار، ما جعل شراء الذهب أمراً صعباً على أغلب السوريين. هذا الارتفاع أثر بشدة على فئة الشباب، وخصوصًا على أولئك الراغبين في الزواج وتأسيس أسر، كما في حالة خالد وعهد.

تداعيات هذا الواقع على الشباب السوري تشمل تأجيل الزواج نتيجة ارتفاع تكاليف الشبكة، حيث تجاوز سعر غرام الذهب عيار 21 في بعض المناطق مليون ليرة سورية، مضاعفاً العبء المالي على العرسان. كما أثر ارتفاع الأسعار على القدرة على الادخار والاستثمار في الذهب، ما دفع الكثيرين للبحث عن بدائل مثل العقارات أو العملات الأجنبية رغم المخاطر المرتبطة بها.

من الناحية الاجتماعية والنفسية، يشعر الشباب بالإحباط نتيجة صعوبة تحقيق حلم الزواج، ويزيد هذا الوضع من معدلات البطالة، حيث يفضل البعض البقاء في المنزل بدل مواجهة تحديات الحياة اليومية. هذه الضغوط تعكس تداخل الاقتصاد العالمي مع حياة الأفراد اليومية في سوريا، وكيف يمكن للتحولات الدولية أن تصبح عبئاً على الأحلام البسيطة.

في النهاية، أصبح الذهب في 2025 ليس مجرد أداة للتحوط المالي، بل أداة استراتيجية للقوى الكبرى لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي. الصين تمثل مثالًا واضحاً على استخدام الذهب لتعزيز مكانتها العالمية، بينما يعيش السوريون، بمن فيهم خالد وعهد، انعكاس هذه السياسات على حياتهم اليومية وحلمهم في الزواج والاستقرار.

- Advertisement -

- Advertisement -