لكل السوريين

الحكومة الانتقالية تشكل مجلس الشعب وسط جدل واسع حول شرعية وآلية الاختيار

تستعد الحكومة الانتقالية في سوريا لتشكيل مجلس الشعب، في خطوة تُعدّ الأبرز في الخارطة السياسية للأحداث منذ سقوط النظام السابق، لكنها تثير في الوقت ذاته جدلاً واسعاً وانتقادات حادة داخل البلاد وخارجها.

ويأتي تشكيل المجلس الجديد وسط انقسام سياسي وشعبي عميق حول شرعية المرحلة الانتقالية وآلية إدارة البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام الجغرافي والسياسي، ما يجعل هذه الخطوة اختباراً حقيقياً لبناء مؤسسات دولة جامعة تمثل مختلف المكونات السورية.

الحكومة الانتقالية، التي يرأسها أحمد الشرع منذ الإطاحة بالنظام في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، اتخذت جملة من الإجراءات السريعة قالت إنها لتنظيم المرحلة المقبلة، شملت حلّ مجلس الشعب القديم، وتوقيع إعلان دستوري مؤقت حدد ملامح المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، على أن يتولى البرلمان الجديد مهامه التشريعية والرقابية حتى يتم وضع دستور دائم وإجراء انتخابات عامة على أساسه.

الإعلان الدستوري، الذي اعتُبر الوثيقة القانونية لإدارة المرحلة الانتقالية، نصّ على نظام حكم برلماني رئاسي مختلط يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة خلال المرحلة، مع وعد بتقليصها لاحقاً بعد إقرار الدستور الجديد.

ويُنتظر أن يُشكّل المجلس وفق آلية غير انتخابية بشكل مباشر، إذ تُمنح الهيئات المناطقية، التي أنشأتها لجنة عليا مكلّفة من قبل الشرع، صلاحية اختيار ثلثي أعضاء المجلس البالغ عددهم 210، فيما يحتفظ الشرع بحق تعيين الثلث المتبقي، وتستند هذه الآلية إلى مبدأ “التمثيل المرحلي” الذي تقول السلطة إنه يهدف إلى ضمان مشاركة جميع المكونات السورية دون استثناء، في ظل الظروف الأمنية والسياسية المعقدة التي تمر بها البلاد.

غير أن هذه الآلية لاقت انتقادات حادة من طيف واسع من السوريين، الذين يرون فيها استمراراً لنهج الوصاية السياسية وحرمان الشعب من حقه في اختيار ممثليه بحرية، ويؤكد معارضون أن تشكيل البرلمان بهذه الطريقة يجعل منه مجلساً معيناً أكثر منه منتخباً، ما يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.

ويقول مواطنون من دمشق وحلب وحمص إنهم كانوا يأملون بأن تشكل هذه الخطوة بداية جديدة لحياة سياسية مفتوحة، لكنهم فوجئوا باستمرار أساليب “التعيين المقنع” التي اعتادها السوريون لعقود.

ورغم الجدل، مضت الحكومة في تنفيذ الخطة، وبدأت لجنة الانتخابات العليا تلقي طلبات الترشح، إذ بلغ عدد المرشحين 1578 شخصاً، بينهم نسبة 14 في المئة فقط من النساء، كما برز اسم مرشح من أصول يهودية، وهو أول من يمثل هذه الطائفة في الحياة السياسية السورية منذ نحو سبعين عاماً، ما اعتبره البعض مؤشراً على انفتاح رمزي في الحياة العامة، فيما رآه آخرون مجرد محاولة شكلية لإظهار التعددية.

وبرر الشرع آلية الانتخاب غير المباشر قائلاً إن البلاد “ما زالت في طور إعادة البناء، ولا تتوافر فيها البيئة المناسبة لإجراء انتخابات عامة”، مشيراً إلى أن البلاد تمر بظروف أمنية استثنائية، وأن كثيراً من المواطنين لا يملكون أوراقاً ثبوتية أو يعيشون في الخارج.

واعتبر أن هذه الآلية “مؤقتة وضرورية لتسيير مؤسسات الدولة وضمان عدم حدوث فراغ سياسي”.

لكن منظمات حقوقية وشخصيات معارضة وجهت انتقادات لاذعة لهذا التوجه، معتبرة أن الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس في تشكيل البرلمان تتيح له عملياً التحكم في تركيبته السياسية.

وأشارت تقارير حقوقية إلى أن الإعلان الدستوري لا يضمن الفصل الحقيقي بين السلطات، وأن البرلمان قد يتحول إلى هيئة استشارية خاضعة للسلطة التنفيذية، ما يعيد إنتاج نمط الحكم المركزي الذي كان سائداً سابقاً.

وذهبت بعض المنظمات السورية المستقلة إلى القول إن الآلية المعتمدة تمنح الشرع إمكانية تشكيل “أغلبية مضمونة الولاء”، مما يجعل المجلس أداة لتثبيت سلطته وليس لتقويمها.

ورأى حقوقيون أن ذلك يهدد فرص التحول الديمقراطي، ويقوّض مبدأ التعددية السياسية الذي يفترض أن يكون حجر الأساس في النظام الجديد.

وفي ظل هذا الجدل، حاول بعض المرشحين الدفاع عن المشاركة في العملية السياسية رغم ما فيها من نواقص، معتبرين أن الدخول إلى البرلمان هو وسيلة لإحداث تغيير تدريجي من الداخل.

وقال عدد من المرشحين المستقلين إن البلاد ما زالت خارجة من مرحلة الحرب، وإن بناء مؤسسات الدولة لا يمكن أن يتم دفعة واحدة.

ويصف ناشطون ومعارضون الوضع السياسي في البلاد بأنه “استبدالٌ لسلطة بأخرى”، مشيرين إلى أن الإجراءات الحالية لا تختلف كثيراً عن الأساليب التي اتبعها النظام السابق في السيطرة على المؤسسات.

ويؤكدون أن تعيين مجلس الشعب بهذه الطريقة يكرّس احتكار السلطة ولا يفتح المجال أمام المشاركة الحقيقية.

كما استثنت الحكومة الانتقالية مناطق شمال وشرق سوريا ومحافظة السويداء جنوبي البلاد، من العملية الانتخابية تحت عدة ذرائع، إلا أنها واجهت اتهامات مباشرة بالإقصاء واتباع نهج النظام السابق.

وبين هذا وذاك، تظل سوريا أمام امتحان عسير لتحديد ملامح مستقبلها السياسي، بين وعود الانتقال الديمقراطي وواقع السلطة المركزية التي لم تتغير كثيراً رغم تبدّل الوجوه.

- Advertisement -

- Advertisement -