لكل السوريين

موسم التخفيضات.. حمى الشراء التي تبردها قسوة الواقع

حماة/ جمانة الخالد

تمد الشمس الحارقة أسواق مدينة حماة، حاملة معها أكثر من مجرد حر؛ إنها تحمل وعوداً. وعود تعلن عنها لافتات زاهية معلقة على واجهات المحلات المتلاصقة في سوق المدينة وسوق الحميدية: “تصفية صيفية”، “تخفيضات هائلة تصل إلى 50%”. هذا الموسم السنوي، الذي ينتظره الكثيرون بترقب مختلط بالأمل والحذر، لم يعد مجرد مناسبة تسويقية عابرة، بل تحول إلى ملمح رئيسي يرسم ملامح الواقع الاقتصادي والاجتماعي في المدينة، شاهدا على صراع يومي بين الرغبة في العيش الطبيعي وضرورات البقاء في زمن الغلاء.

في أحد أزقة سوق المدينة، تقف أم أنس (42 عاماً)، معلمة في إحدى المدارس، تتفحص بلوزة صيفية بعينين تعودتا على حساب كل قرش. تقول وهي تضع النظارة على عينيها لقراءة بطاقة السعر: “كل عام نسمع عن التخفيضات، وكل عام نكتشف أن الفجوة بين ما نتمناه وما نستطيع شراءه تتسع. الموازنة أصبحت معادلة مستحيلة: بين مؤونة الشتاء من زيتون وزيت وزيتون، ومستلزمات المدرسة لأولادي الثلاثة، أين أضع ثمن بلوزة صيفية؟ حتى بعد التخفيض، سعر هذه البلوزة يعادل ثمن كيس طحين وزيتونة. الأولويات تغيرت.”

على بعد أمتار، يجلس أبو ياسر (55 عاماً)، صاحب محل للألبسة الرجالية، ورث المهنة عن والده. يتحدث وهو يمسح الغبار عن رفوف مليئة بالبضائع التي لم تتحرك كثيراً هذا الموسم: “الناس تظن أننا نغتنم الفرصة لنجني الأرباح الطائلة، لكن الحقيقة أننا أيضاً في ورطة. اشتريت هذه البضاعة بديون عندما كان سعر الدولار أعلى. اليوم، ومع انخفاض السعر نسبياً، لو بعت بالتخفيضات المعلنة قد لاأسترد رأس المال. لكن ماذا أفعل؟ التصفية ضرورة لتفريغ المخزون القديم ولو بخسارة طفيفة، كي أتمكن من جلب بضاعة شتوية. الموسم لم يعد فرصة ربح، بل أصبح عملية إنقاذ للمحل نفسه.”

على الورق، تحاول الجهات الرقابية تنظيم هذا الموسم. فالقرار رقم 1135 الصادر عن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك يحدد إطاراً زمنياً للتصفية من 15 تموز حتى 15 أيلول، مع اشتراط ألا تقل نسبة التخفيض عن 20%، والإعلان الواضح عن الأسعار الجديدة والقديمة. لكن على أرض حماة، تبدو هذه الضوابط وكأنها تعيش في عالم مواز.

الشاب محمد (28 عاماً)، الذي يدير محلاً صغيراً للأحذية، يشرح بمرارة: “الرقابة موجودة، تأتي وتفحص السجلات. لكن التحدي الحقيقي ليس في الالتزام بالقانون، بل في كيفية تطبيقه على أرضية اقتصادية مهتزة. كيف أشرح للمراقب أن سعر السلعة الأساسي الذي سجلته قبل ثلاثة أشهر لم يعد له علاقة بتكلفتها الفعلية بسبب تقلبات السوق؟ الجميع يلجأ لأساليب مثل رفع السعر قبل التخفيض بشكل طفيف كي يضمن عدم خسارته، وهو أمر تعرفه الجهات الرقابية نفسها لكنها تتغاضى عنه ضمنياً لأنها تدرك أن إغلاق المحل يعني زيادة في البطالة وتراجعاً في الحركة الاقتصادية.”

في الأحياء الشعبية في حماة، مثل حي المشرفة وحي الإمام، ينشط سوق موازٍ لا يخضع لأي تصفية رسمية؛ إنه سوق “البالة” أو الملابس المستعملة. هنا، تتحول المنافسة من كونها بين منتج محلي وآخر مستورد، إلى منافسة بين الجديد والقديم، بين الرسمي وغير الرسمي.

سامر (35 عاماً)، وهو أب لطفلين، يفضل شراء ملابس أطفاله من سوق البالة. يقول: “في محل الألبسة، قد يكلفني القميص الواحد بعد التخفيض ما يعادل ربع راتبي. هنا في سوق البالة، أجد قميصاً بحالة جيدة جداً بسعر رمزي. نعم، قد يكون مستعملاً، لكنني أفضّل أن ألبس أولادي بكرامة على أن أرهق نفسي بديون من أجل علامة تجارية جديدة. التخفيضات في المحلات الرسمية أصبحت رفاهية لا نقدر عليها.”

هذه الظاهرة تشكل كابوساً للتجار مثل أبو ياسر، الذي يرى أن “البالة” تقتل السوق المحلي: “كيف تنافس بضاعة جديدة، ولو كانت متواضعة الجودة، ببضاعة مستوردة من أوروبا تباع بثمن لا يغطي حتى كلفة نقلها؟ الدولة تتحدث عن حماية المنتج الوطني، لكن سوق البالة يفتك بنا دون رادع حقيقي.”

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور نزار الحلبي، وهو أستاذ في جامعة حماة، أن موسم التخفيضات الحالي هو مجرد عَرَض وليس مرضاً. ويوضح: “الموسم يعكس تشوّهات هيكلية في الاقتصاد. انخفاض سعر الصرف مؤخراً بنسبة 30% لم يترجم إلى انخفاض مماثل في الأسعار بسبب الركود وتراكم الديون لدى التجار، مما جعل التخفيضات شكلية في كثير من الأحيان. المواطن لم يعد يملك ‘قدرة شرائية’ ليتم اختبارها، بل يملك ‘أولويات شرائية’ صارمة تبدأ بالغذاء والدواء.”

ويضيف د. الحلبي: “المشكلة الأعمق هي أزمة الثقة. المواطن يشك في نسبة التخفيض، والتاجر يشك في إمكانية البيع، والمنتج المحلي يعاني من عدم قدرته على منافسة الجودة العالية للمستورد حتى مع انخفاض السعر. الحل لا يكمن في تنظيم موسم التخفيضات فقط، بل في معالجة هذه التشوّهات من جذورها: دعم القطاع الإنتاجي بشكل حقيقي، ومراقبة الأسواق الموازية، وإعادة بناء القدرة الشرائية للمواطن عبر تحسين الأجور. بدون ذلك، سيبقى موسم التخفيضات مجرد ‘كارنفال’ تسويقي يحجب وراء ألوانه الزاهية واقعاً اقتصادياً باهتاً.”

رغم كل هذه التحديات، يبقى موسم التخفيضات في حماة شمعة ضوء صغيرة. فهو يمثل بالنسبة للبعض فرصة نادرة لتجديد ما تآكل من ملابس، وللآخرين مناسبة للحفاظ على استمرارية أعمالهم. إنه طقس سنوي يذكر الناس بحياة كانت أكثر يسراً، ويؤكد في الوقت نفسه على مرونة السوريين وقدرتهم على التكيف. ففي نهاية المطاف، ورغم الشكوك والقيود الاقتصادية، يستمر الناس في التردد على الأسواق، ليس بحثاً عن صفقة فحسب، بل بحثاً عن ذرة أمل في أن الغد قد يحمل فرجاً، وأن الموسم القادم قد يكون أفضل من سابقه، في مدينة عرفت بقوة نواعيرها، وتعلم أن الحياة، مثل النهر، يجب أن تستمر في الجريان.

- Advertisement -

- Advertisement -