مع اقتراب التحولات السياسية في سوريا، يطفو على السطح ملف بالغ الحساسية يتمثل في الأموال والأصول السورية المجمدة في الخارج، والتي تُقدّر بمليارات الدولارات، هذا الملف يشكل تحدياً قانونياً واقتصادياً معقداً أمام أي حكومة انتقالية أو سلطة جديدة تتولى إدارة البلاد بعد سقوط النظام.
كشف موقع “Intelligence Online”، أن محامين غربيين وعملاء استخبارات خاصة يسعون للحصول على عقود من الحكومة السورية الانتقالية لتعقب الأصول المالية المرتبطة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وبحسب الموقع الفرنسي، فإن هذه المساعي تواجه منافسة من فرق مرتبطة برئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع، التي تفضّل في الوقت الحالي اتباع أسلوب عمل أكثر سرية وربحية بعيداً عن الأضواء.
وتشير تقارير دولية إلى أن جزءاً كبيراً من ثروات سوريا مودع في مصارف أوروبية وأميركية وخليجية، إضافة إلى أصول عقارية وشركات وهمية مرتبطة بشبكات مالية تابعة لعائلة الأسد ومقربين منهم.
كما أن العقوبات الدولية منذ عام 2011 أدت إلى تجميد حسابات مصرفية ومنع التعامل مع شركات وأفراد محددين، مما جعل استرداد هذه الأموال خاضعاً لإجراءات قانونية وسياسية طويلة.
يرى خبراء القانون الدولي أن عملية استرداد الأموال تواجه عدة صعوبات، أبرزها إثبات ملكيتها للدولة السورية وليس لأشخاص أو كيانات خاصة. ففي الكثير من الحالات، جرى تحويل الأموال إلى حسابات شخصية أو شركات واجهة يصعب تتبعها.
وتشترط بعض الدول تشترط أحكاماً قضائية محلية أو دولية نهائية لتسليم الأموال، وهو ما يتطلب سنوات من المرافعات والإجراءات.
في المقابل، يعبّر ناشطون سوريون عن خشيتهم من أن تؤدي عملية الاسترداد إلى إعادة إنتاج شبكات الفساد إذا لم تتم وفق آليات شفافة وتحت رقابة دولية، ويؤكد هؤلاء أن الشعب السوري وحده يجب أن يستفيد من هذه الأموال عبر إعادة الإعمار ودعم الاقتصاد المنهار، لا أن تتحول إلى غنيمة سياسية بيد أي طرف.
وتستشهد تقارير بحثية بحالات شبيهة، مثل استرداد الأموال العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين، أو الأرصدة الليبية عقب سقوط القذافي، ففي تلك التجارب، استغرق الأمر سنوات طويلة، وتعرضت الأموال لعمليات فساد أو نهب نتيجة غياب آليات الرقابة، ويخشى محللون أن يتكرر السيناريو في الحالة السورية إذا لم توضع ضمانات صارمة.
وتطرح بعض الأطراف فكرة إشراف الأمم المتحدة أو البنك الدولي على صندوق خاص لإدارة الأموال المستردة، بما يضمن إنفاقها على مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، بعيداً عن الصراعات السياسية، لكن هذه الخطوة تتطلب توافقاً دولياً واسعاً، وهو أمر قد يكون صعباً في ظل الانقسامات الحالية بين القوى الكبرى حول الملف السوري.
يربط مراقبون بين إمكانية استرداد الأموال وبين مسار الحل السياسي الشامل في سوريا، فالكثير من الدول المانحة أو الحاضنة للأصول المجمدة لن تقدم على تسليمها إلا لحكومة شرعية معترف بها دولياً، وهو ما يجعل الملف مرهوناً بمصير المفاوضات الجارية والتفاهمات الإقليمية والدولية.
إلى جانب التحديات القانونية والسياسية، تكشف تقارير عن شبكات مصالح مالية أنشأها النظام السوري في الخارج عبر رجال أعمال وشركات واجهة، هذه الشبكات لا تقتصر على الدائرة الضيقة لعائلة الأسد، بل تمتد إلى أطراف إقليمية ودولية استفادت من العقود والصفقات، ما يزيد من صعوبة تتبع الأموال وحصرها.
في ضوء كل ذلك، يبقى ملف الأموال السورية المجمدة مفتوحاً على احتمالات عديدة، تتراوح بين إمكانية استردادها تدريجياً ضمن تسويات سياسية، أو بقائها عالقة لسنوات في حسابات البنوك الأجنبية.
وفي كل الأحوال، يُنظر إلى هذه الأموال باعتبارها حقاً للشعب السوري، واستعادتها تشكل اختباراً حقيقياً لمدى جدية أي سلطة انتقالية في بناء دولة القانون والمؤسسات بعد عقود من الاستبداد والفساد.