لكل السوريين

السويداء تحت ضغط صحي متصاعد.. خلل في الخدمات ونقص حاد في الموارد الطبية

السويداء تواجه في الوقت الراهن أزمة صحية متفاقمة تعكس هشاشة البنية التحتية الطبية في سوريا بعد أكثر من عقد من الصراع والأزمات الاقتصادية. منظمة الصحة العالمية أكدت أن الحصول على الرعاية الصحية الأساسية في المدينة بات يشكل تحدياً كبيراً، نتيجة تداخل عدة عوامل بنيوية وتمويلية وبشرية، ما جعل المرافق الصحية غير قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.

يشير الواقع الميداني إلى أن المراكز الصحية في المحافظة تعمل فوق طاقتها بكثير، إذ تستقبل أعداداً تفوق القدرة الاستيعابية بأضعاف، في ظل نقص التجهيزات الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية. كثير من هذه المراكز لم يشهد أي عمليات تحديث منذ سنوات، وتعاني من أعطال متراكمة في المعدات، ما يضطر المرضى إلى التنقل لمسافات طويلة للحصول على خدمات تخصصية في محافظات أخرى. هذا النمط من الإحالات المتكررة يساهم في تأخير التشخيص والعلاج، ويزيد من التكاليف الصحية على الأسر، خاصة مع تراجع وسائل النقل وضعف القدرة الشرائية.

على المستوى البشري، تعاني السويداء من نقص واضح في الكوادر الطبية المؤهلة، نتيجة هجرة الأطباء والممرضين وضعف الحوافز المالية. الرواتب المتدنية، والضغط المستمر، وغياب برامج الدعم المهني، عوامل ساهمت في استنزاف الكادر المحلي، خاصة في الاختصاصات الحيوية مثل الجراحة والعناية المركزة. هذا النقص لا يقتصر على الأطباء فقط، بل يشمل الكوادر المساعدة مثل فنيي التخدير والمخبر والأشعة، ما يخلق اختناقات متزايدة في سلسلة تقديم الرعاية الصحية.

الأزمة التمويلية تمثل بدورها أحد أهم أسباب التدهور الحالي. فالقطاع الصحي يعتمد بشكل كبير على التمويل الدولي والدعم الإنساني، لكن هذا الدعم شهد تراجعاً ملموساً خلال العامين الماضيين، سواء من الولايات المتحدة أو من الاتحاد الأوروبي، وهو ما انعكس مباشرة على توفر الأدوية والمستلزمات في الصيدليات والمشافي. أدوية الأمراض المزمنة، التي تمثل العمود الفقري للرعاية الصحية اليومية، أصبحت نادرة أو مرتفعة السعر، ما يدفع بعض المرضى إلى تقليل الجرعات أو الاعتماد على السوق غير النظامية، الأمر الذي يفاقم احتمالات حدوث مضاعفات صحية خطيرة ويهدد الاستقرار الوبائي.

من الناحية الوبائية، هذا الوضع يرفع من مخاطر انتشار الأمراض المعدية وتراجع مؤشرات الصحة العامة. الاكتظاظ في المراكز الصحية، وضعف القدرة على التعقيم والمراقبة، مع اقتراب فصل الشتاء، قد يؤدي إلى موجات من الأمراض التنفسية والانتانات التي يصعب احتواؤها ضمن منظومة صحية ضعيفة. كما أن التأخر في التشخيص والعلاج يفتح الباب أمام مضاعفات غير قابلة للعكس، خصوصاً في حالات الأطفال وكبار السن.

الاستجابة الحالية من قبل المنظمات الصحية الدولية تبقى محدودة وغير كافية لحجم التحدي. بعض المبادرات ركزت على دعم مراكز محددة أو إطلاق عيادات متنقلة للوصول إلى المناطق الريفية، إلا أن هذه البرامج غالباً ما تكون مؤقتة وتعتمد على تمويل قصير الأمد. ما تحتاجه السويداء في المرحلة الحالية هو تدخل هيكلي يشمل إعادة تأهيل المرافق الصحية الأساسية، ووضع آليات تمويل مستدامة، وضمان بقاء الكوادر الطبية من خلال تحسين بيئة العمل والحوافز.

تُظهر الأزمة الصحية في السويداء ملامح أزمة نظام صحي أوسع في سوريا، حيث يواجه القطاع الصحي الوطني تحديات مركبة تتعلق بالبنية التحتية، والتمويل، والموارد البشرية، والقدرة على الاستجابة للطوارئ. استمرار هذا الوضع دون تدخل شامل سيؤدي تدريجياً إلى تآكل قدرة النظام الصحي المحلي على الصمود، ويزيد من هشاشة السكان في مواجهة المخاطر الصحية المستقبلية.

- Advertisement -

- Advertisement -