لكل السوريين

قصص محجوبة.. فتيات القنيطرة يواجهن الحرمان من التعليم والعمل

القنيطرة/ رجاء مختار

في محافظة القنيطرة الحدودية، تتوارى خلف جدران البيوت قصص فتيات لم تتح لهنّ فرصة إكمال تعليمهنّ أو دخول سوق العمل. أصواتهنّ خافتة، تروي واقعًا تتداخل فيه العادات مع ضغوط الحرب والفقر، ليتحوّل الحلم بالدراسة أو الوظيفة إلى رفاهية بعيدة المنال. هذه الظاهرة التي يصفها ناشطون بـ«المقلقة» لم تعد شأناً فردياً، بل مساراً اجتماعياً يعيد إنتاج الفقر ويهدد مستقبل جيل كامل من الفتيات.

قيود العائلة والمجتمع

تُرجع كثير من الأسر قرار حرمان بناتها من التعليم أو العمل إلى «حماية» مرتبطة بالسمعة أو الخوف من المخاطر. في القرى النائية حيث تتطلب الدراسة التنقل لمسافات طويلة، يفضّل الآباء إبقاء بناتهم في المنازل على المخاطرة بما يرونه مغامرة غير آمنة. وفي الوقت الذي ينص فيه القانون على إلزامية التعليم، تكبح التقاليد المحلية هذه الحقوق، إذ لا تزال بعض المجتمعات تعتبر خروج الفتاة إلى الجامعة أو العمل تهديدًا لصورة العائلة.

هناء، وهي شابة في السابعة عشرة من إحدى بلدات القنيطرة، تروي: «كنت من المتفوقات في المدرسة، وحلمي أن أدرس التمريض. لكن والدي قرر منعي بعد الصف التاسع بحجة أن المدرسة بعيدة والطريق غير آمنة. الآن أقضي وقتي في أعمال البيت، وأشعر أن مستقبلي يُغلق أمامي». شهادات مشابهة تتكرر على ألسنة كثيرات ممن وجدن أنفسهن مجبرات على البقاء في المنازل.

الحرب وتداعياتها على التعليم

لم تقتصر معاناة الفتيات في القنيطرة على الضغوط الاجتماعية، بل فاقمتها سنوات الحرب. المدارس المهدّمة أو غير المجهزة، النقص في الكوادر التدريسية، غياب وسائل النقل الآمنة، جميعها عوامل جعلت استمرار التعليم مهمة شاقة. تقارير لليونيسف تشير إلى أنّ نسبة الأطفال المعرّضين لخطر الانقطاع عن التعليم ارتفعت بشكل مقلق، والفتيات كنّ الأكثر تضررًا بسبب القيود الإضافية المفروضة عليهنّ.

ومع تراجع الموارد الاقتصادية، تُضطر بعض الأسر إلى المفاضلة بين أبنائها، فيكون الاختيار عادة لصالح الذكور. بعض الفتيات أُجبرن على ترك المدرسة للمساهمة في أعمال منزلية أو غير نظامية تدرّ دخلًا محدودًا، لكن ثمنها باهظ على صعيد المستقبل.

آثار بعيدة المدى

حرمان الفتيات من التعليم والعمل لا يتوقف عند حدود الحاضر، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأسره. فالفتيات اللواتي يُحصرن في أدوار منزلية يفتقدن إلى الاستقلال الاقتصادي، ويصبحن أكثر عرضة للزواج المبكر أو الاستغلال. وهذا بدوره يعمّق دائرة الفقر ويقلّص قدرة المجتمعات المحلية على التعافي من تبعات الحرب.

الناشطة سعاد الحسن من جمعية نسوية محلية تؤكد أن «حرمان الفتاة من التعليم لا يعني فقط فقدانها لمقعد دراسي، بل حرمانها من القدرة على اتخاذ قرار مستقل في حياتها. هذا الانعكاس يتضاعف عندما تصبح أمًا وتُنشئ جيلًا جديدًا أقل وعيًا بحقوقه».

مبادرات خجولة وواقع متعثر

رغم قتامة المشهد، ظهرت في القنيطرة مبادرات تهدف إلى الحد من الظاهرة. حملة «حق الفتيات في التعليم» التي نفذتها إحدى الجمعيات المحلية نظمت جلسات توعية للأهالي، وأنشطة تشجيعية للبنات لإعادة الالتحاق بالمدارس أو برامج التعليم غير النظامي. كما أطلقت ورش تدريب مهني في الخياطة والحاسوب لإيجاد فرص داخل القرى نفسها.

منظمات دولية بدورها حاولت تقديم حوافز نقدية مشروطة بانتظام الفتيات في التعليم، لكن هذه الجهود بقيت محدودة التأثير أمام ضعف التمويل وصعوبة الوصول إلى القرى البعيدة. وفي كثير من الأحيان، تصطدم هذه البرامج بممانعة اجتماعية لا تزال ترى في تعليم البنات قضية ثانوية مقارنة بمقتضيات الحياة اليومية.

بين النص القانوني والواقع

التشريعات السورية تؤكد على حق الفتيات في التعليم والعمل، ولا توجد سياسات رسمية تمنعهنّ من ذلك. لكن الفجوة بين النصوص والتطبيق ما تزال واسعة، إذ تظل التقاليد والأعراف أقوى من أي نص قانوني في كثير من المجتمعات المحلية. مسؤولون حكوميون يصرّحون باستمرار أن «أبواب المدارس مفتوحة للجميع»، إلا أن الشهادات الميدانية تكشف عكس ذلك، حيث يتسلل الحرمان من داخل الأسرة والمجتمع أكثر مما يأتي من المؤسسات الرسمية.

مستقبل جيل على المحك

اليوم، تقف فتيات القنيطرة أمام واقع يهدد أحلامهن ويقيد مستقبلهن. ما بين قيود الأسرة وضغوط المجتمع وتداعيات الحرب، تُحجب فرص التعليم والعمل عن شريحة واسعة، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى كل طاقة شابة لبناء مستقبلها.

المطالبات المتكررة من منظمات محلية ودولية تدعو إلى توسيع نطاق الدعم الاقتصادي للأسر، وإنشاء مراكز تعليمية قريبة من القرى، وتنفيذ حملات توعية تستهدف الآباء وزعماء المجتمع المحلي، إضافة إلى دمج برامج الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي مع خطط التعليم والتأهيل المهني.

الرهان اليوم ليس فقط على تغيير واقع الفتيات، بل على إنقاذ مجتمع كامل من خسارة نصف إمكاناته. فإما أن تظل هذه القصص محجوبة داخل المنازل، أو يُتاح للفتيات أن يصنعن روايتهنّ الخاصة، رواية عنوانها التعليم والعمل والحق في مستقبل مختلف.

- Advertisement -

- Advertisement -