يوسف علي
في ساحة كلية الطب البشري بجامعة اللاذقية، خيّم صمتٌ مهيب على المكان، صمتٌ مثقل بالذكريات والألم، حين اجتمع عشرات الطلاب والطالبات في وقفة استذكار لزملائهم الذين غيّبتهم يد الغدر في مجازر الساحل الدامية التي وقعت في آذار الماضي، كان المشهد أشبه بمرآة تعكس وجوهاً حزينة وقلوباً مثقلة بالفقد، لكن متماسكة بالعهد.
ورفع المشاركون صور ثلاثة من ضحايا مجازر الساحل الذين لم تُمحَ أسماؤهم من ذاكرة زملائهم وهم الدكتورة مرح حسان شريف، والدكتور يعرب مجد صالح، والدكتور يوسف مالك شريف.
وقف الطلاب أمام صور رفاقهم بملامح يكسوها الحزن، وكأنهم يستعيدون ملامحهم بين قاعات المحاضرات والمختبرات، حيث كانوا زملاء في العلم قبل أن يخطفهم الموت مبكراً.
المجازر التي ضربت قرى وبلدات الساحل في ذلك الشهر حملت معها وجعاً لا يزول، أصوات الرصاص والصراخ حوّلت ليل القرى إلى جحيم، وغيّرت ملامح مدن بأكملها، لم تكن مجرد أرقام في سجل الحرب، بل قصصا مكتملة الأركان عن شباب وأمهات وأطفال قُتلوا على عتبة بيوتهم أو في طريقهم إلى جامعاتهم.
بالنسبة لطلاب الطب الثلاثة، كانت الأحلام أكبر من أعمارهم. كانوا يستعدون لارتداء المعطف الأبيض، ليبدؤوا مشوار خدمة الإنسان ومداواة الجراح، لكنهم ارتدوا بدلاً منه كفناً أبيض، تاركين أحلامهم أمانة في قلوب زملائهم.
الوقفة لم تكن مجرد مناسبة رمزية، بل رسالة بليغة بلغة الصمت. الطلاب المشاركون أرادوا أن يقولوا لرفاقهم: “أنتم باقون بيننا، في مقاعد الدراسة، في دفاتر الملاحظات، وفي كل خطوة نخطوها نحو المستقبل”.
كانت الدموع التي لم تجد طريقها إلى الكلام، كافية لتجسد حجم الخسارة والوفاء في آنٍ معاً، مشاعر متداخلة من الحزن العميق، والفخر، والرغبة في الاستمرار رغم كل شيء.
وتحولت ذكرى الضحايا إلى رمزٍ للإصرار على المضي قدماً، ورمزٍ على أن المعطف الأبيض سيبقى عنواناً لنصرة الحياة على الموت، أكّد الطلاب أن الدماء التي سُفكت لن تُهدر، وأن حلم الراحلين سيُكمل، فالمستقبل الذي كانوا يرسمونه سيبقى نابضاً في قلوب من بقوا.
وهذه الوقفة الصامتة أعادت التذكير بأن الحرب لا تسرق الأرواح وحدها، بل تسرق الطموحات أيضاً ومع ذلك، يصرّ طلاب الطب على أن يواجهوا الكارثة بالأمل، وأن يثبتوا أن ذاكرة الضحايا ليست مجرد ذكرى، بل شعلة تُنير لهم الطريق نحو غدٍ مختلف.