لكل السوريين

رعاة الأغنام.. على مواجهة مع جيش إسرائيل في القنيطرة

القنيطرة/ رجاء مختار

في الساعات الأولى من صباح يوم لم يكن يختلف عن سابقاته في قرى هضبة الجولان، حيث يخيم الصمت أحياناً على حدود تعبرها فقط أصوات الطبيعة وأجراس قطعان الماشية، تحول الهدوء إلى حالة من الذعر والارتباك في أرجاء قرية العشة الواقعة في ريف القنيطرة الجنوبي. لم تكن طلعات الجيش الإسرائيلي الدورية بالأمر الجديد على أهالي القرية، الذين تعودوا على مشهد الدبابات والدوريات على بعد أمتار من منازلهم، لكن ما حدث هذا الصباح كان مختلفاً.

لم تكن العملية تستهدف أشخاصاً أو تفتيشاً للمنازل، بل كان الهدف هو مصدر الرزق الوحيد والعزيز لعشرات العائلات: قطيع من الأغنام يضم مائتي رأس، كانت ترعى في الأراضي المحيطة بالقرية، والتي تقع على خط تماس خفي، غير مرسوم بوضوح، لكنه موجود بقوة في واقع حياة الناس.

تقول أم محمد، وهي امرأة في الخمسين من عمرها، إن زوجها وابنها كانا يراقبان القطيع من بعيد عندما شاهدا الدورية العسكرية تتقدم بسياراتها المصفحة. في البداية، ظنا أنها مجرد دورية عابرة كالعادة، لكن الجنود بدأوا بمحاصرة القطيع بشكل منهجي، وكأنهم ينفذون خطة مُعدة مسبقاً. حاول الرجال الاقتراب للاستفسار، ولكن إشارات بالأيدي والأسلحة أوقفتهم عند حدهم.

لم تستغرق العملية أكثر من ساعة، وفقاً لشهود العيان، حيث قام الجنود بتجميع الأغنام واقتيادها بالقوة نحو داخل الخط الأخضر، في المناطق المحتلة من هضبة الجولان، تاركين وراءهم عائلات تئن تحت وطأة خسارة لم تكن في الحسبان.

هذه الأغنام ليست مجرد أرقام في إحصائية؛ لكل منها اسم وقصة. كانت بالنسبة لعائلة أبو عدنان، على سبيل المثال، بمثابة البنك والمؤونة ومشروع المستقبل. يروي أبو عدنان، وهو رب أسرة مكونة من ثمانية أفراد، كيف بدأ بقطيع صغير من عشرين رأساً وقام بتربيتها وتكاثرها على مدى عشر سنوات، حتى وصل إلى ما يقارب الخمسين رأساً.

كان يعتمد على بيع الحليب والصوف وفي المواسم الجيدة، بيع بعض الرؤوس لتأمين مصاريف التعليم والعلاج والضرائب. اليوم، وجد نفسه فجأة بلا شيء. هو وعائلته ليسوا وحدهم؛ العشرات من العائلات في قرية العشة والقرى المجاورة يعتمدون على تربية المواشي كمصدر دخل وحيد أو رئيسي، في منطقةٍ جرداء من الفرص الاقتصادية، محاصرة بالصراع والسياسات المعقدة.

الحدث ليس منعزلاً، بل هو جزء من سياق أوسع من التوتر والصراع على الأرض والموارد في هضبة الجولان المحتلة. فالأرض هناك ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي هوية وصراع وجود وذاكرة. تعتبر إسرائيل هذه المنطقة جزءاً من أراضيها بعد ضمها بشكل أحادي غير معترف به دولياً، بينما تؤكد سوريا ومجتمع دولي واسع على أنها أرض سورية محتلة.

وفي خضم هذا النزاع الطويل، يصبح المدنيون ومصادر رزقهم أداةً في معركة أكبر، وأحياناً ضحايا لقرارات تهدف إلى تضييق الخناق أو فرض وقائع جديدة على الأرض. مصادرة الماشية، والتي لم تكن الأولى من نوعها، تذكرنا بمصادرات الأراضي ومصادر المياه، والتي تشكل جميعها أدوات ضغط لدفع السكان نحو الهجرة أو الخنوع.

ردود الفعل على الحادثة لم تكن صامتة. خرج عشرات السكان في مسيرة احتجاجية عفوية نحو نقطة التماس، رافعين أصواتهم مطالبين بإعادة قطعانهم، مصدر رزقهم الذي لا يعوض. لكن أصواتهم ذهبت أدراج الرياح أمام جدار عسكري صامت. لم يصدر أي تعليق رسمي فوري من الجيش الإسرائيلي على الحادثة، في سياسة اعتاد عليها في مثل هذه الحوادث التي تحدث في المناطق المتنازع عليها.

من ناحية أخرى، ناشدت منظمات حقوقية دولية للتدخل والضغط من أجل إعادة هذه الماشية، التي تمثل شريان حياة لهذه العائلات، في ظل ظروف اقتصادية صعبة تفاقمت بسبب الحرب والعقوبات.

القصة هنا تتجاوز مائتي رأس غنم. إنها قصة عن إنسان يحاول أن يمسك بخصلة حياة في منطقة لا ترحم. تربية الأغنام هي واحدة من أقدم المهن في هذه البقعة من العالم، مهنة ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد. هي ليست مجرد وسيلة للكسب، بل هي جزء من الثقافة والتراث والارتباط بالأرض.

عندما تُصادر هذه القطعان، لا تُصادر فقط لحوم وأصواف، بل تُصادر ذكريات وتقاليد وأحلام. طفل كان يحلم ببيع خروف في العيد لشراء لباس جديد، أم كانت تعتمد على حليب الغنم لصنع الجبنة التي تبيعها في السوق، رجل عجوز كان يجد في رعاية قطيعه عزاءه الوحيد بعد أن فقد أبناءه في الحرب… كل هذه القصص الشخصية تتحطم مع كل عملية مصادرة.

هذه وإن بدت صغيرة في فضاء الصراع الكبير، إلا أنها تكشف مرة أخرى عن المأساة الإنسانية المستمرة للمدنيين العالقين في نزاعات الأرض والهوية. في الوقت الذي تتحدث فيه الأطراف الكبرى عن حدود وأمن وسيادة.

- Advertisement -

- Advertisement -