لكل السوريين

أصوات لا تختنق.. شهادات من قلب الجحيم الكيميائي

تقرير/ مرجانة إسماعيل

في غرفة متواضعة بمنزل بريف حماة، تجلس أم محمد (57 عاماً) تمسك بصورة ابنها الوحيد بين يديها المرتعشتين. قبل اثني عشر عاماً، في ليلة لم تستطع ذاكرة التاريخ أن تمحوها، تحول حلم هذا الفتى إلى جثة هامدة بين أنقاض الغوطة الشرقية. “لم أستطع حتى أن أودعه بشكل لائق”، تقول الأم بين دموع لم تجف بعد. “الغاز لم يقتلهم فقط، بل سرق منا حتى حق البكاء على موتانا”.

ليلة 21 آب/أغسطس 2013 لم تكن ليلة عادية في ذاكرة السوريين. فبينما كان أهالي الغوطة يغطون في نومهم، بدأت قذائف النظام تتساقط على أحيائهم، لكن هذه المرة كانت تحمل موتاً مختلفاً – غاز السارين الذي تسلل بصمت ليخنق الأبرياء في ملاجئهم.

سهام (45 عاماً) من دوما، تتذكر تلك الليلة وكأنها كانت بالأمس: “استيقظنا على أصوات الاختناق. الأطفال يصرخون ولا نستطيع فعل شيء. حاولت إنقاذ ابنتي الصغيرة لكنها ماتت بين ذراعي”. اليوم، بعد أكثر من عقد على المأساة، لا تزال سهام تعاني من نوبات هلع كلما شمّت رائحة غريبة.

لم تكن المجزرة مجرد عملية قتل جماعي، بل كانت نظام إبادة ممنهج. الدكتور علي الحسين، الذي كان يعمل في مستشفى ميداني حينها، يروي: “كانت الجثث مكومة مثل الحطب. لم نكن نملك حتى القفازات الطبية الكافية. كنا نعرف أننا قد نموت في أي لحظة، لكننا استمررنا في العمل”.

النساء كنّ في قلب هذه المعركة. فاطمة (52 عاماً)، التي فقدت ثلاثة من أبنائها في الهجوم، تحولت إلى ممرضة في المستشفى الميداني. “تعلمت كيفية حقن المصابين وتضميد الجروح بينما الجثث حولي. كنت أعمل وكأنني في كابوس لم أستيقظ منه حتى اليوم”.

أم يوسف (60 عاماً) أصبحت أما لعشرات الأطفال الذين فقدوا ذويهم. “جمعت الأطفال في قبو منزلنا. كنا نغني معاً لنخفي صوت القصف. حاولنا صنع عالم صغير حيث يمكن للطفولة أن تستمر رغم كل شيء”.

اليوم، بعد سنوات من المأساة، لا يزال الناجون يعانون من آثار نفسية وجسدية عميقة. محمد (30 عاماً) الذي كان في الثامنة عشرة حينها، يقول: “أعاني من مشاكل في التنفس وكوابيس لا تنتهي. كل ليلة أستيقظ وأنا أختنق”.

الأطفال الذين نجوا من المجزرة كبروا حاملين جراحاً غير مرئية. سارة (20 عاماً) التي كانت في الثامنة من عمرها حينها، تقول: “لا أتذكر الكثير من تفاصيل تلك الليلة، لكن جسدي يتفاعل مع أي رائحة غريبة. أحياناً أستيقظ وأنا أبكي دون أن أعرف السبب”.

رغم الصعوبات، استطاع الناجون بناء حياة جديدة. بعضهم أصبح ناشطين في مجال حقوق الإنسان، وآخرون يعملون على توثيق ما حدث لضمان عدم وقوع المأساة. أحمد (35 عاماً) الذي فقد أسرته بأكملها، أسس جمعية لمساعدة الناجين: “نحن لا نريد تعويضاً، نريد فقط أن يعترف العالم بما حدث وأن لا ينسى الضحايا”.

التحديات التي يواجهها الناجون لا تزال كبيرة. فبالإضافة إلى الآثار النفسية، يعاني الكثيرون من مشاكل صحية مزمنة. الدكتورة لمياء الحلبي، التي تتابع حالات العديد من الناجين، توضح: “الكثير من المرضى يعانون من أمراض تنفسية مزمنة ومشاكل في العيون والجلد. الآثار طويلة المدى للتعرض للغازات الكيميائية لا تزال غير معروفة بشكل كامل”.

الذاكرة الجماعية للمجزرة تبقى حية في قلوب الناجين. في كل ذكرى للمجزرة، يجتمع الناجون ليشاركوا قصصهم ويحيوا ذكرى أحبائهم. منى (40 عاماً) التي فقدت والدتها وشقيقها، تقول: “نحن لا نحتاج إلى شهادات فقط، بل إلى عدالة. نريد أن يعاقب المسؤولون عن هذه الجريمة”.

القصة الكاملة للمجزرة لم تُروَ بعد. الكثير من الوثائق والصور لا تزال مخبأة، والكثير من الشهادات لم تُسجل بعد. الباحث السوري في التاريخ المعاصر، د. معن الدروبي، يؤكد أن “توثيق ما حدث في الغوطة ليس فقط واجباً أخلاقياً، بل ضرورة تاريخية لضمان عدم تكرار الجرائم”.

رغم الألم، يرفض الناجون الاستسلام. فاطمة، التي ما تزال تعمل في المجال الإنساني، تقول: “لقد أخذوا منا كل شيء، لكنهم لم يستطيعوا أخذ إنسانيتنا. سنستمر في رواية القصة حتى يسمعها العالم كله”.

أم محمد، التي أصبحت جدة مؤخراً، تمسك يد حفيدها وتهمس: “سأخبرك بقصة جدك عندما تكبر. سأخبرك كيف مات من أجل الحرية. الذاكرة هي سلاحنا الأخير، ولن نسلمه لأحد”.

في الغوطة الشرقية، حيث لا تزال الأرض تحمل ندوب المجزرة، يرفض الناجون أن تموت الذاكرة. هم يعلمون أن الطريق إلى العدالة طويل، لكنهم مصممون على السير فيه حتى النهاية. كما تقول سهام: “قد نكون جرحى، لكننا أحياء. وقد نكون حزينين، لكننا لم نستسلم. هذه هي هزيمتنا للنظام – أننا ما زلنا هنا، ونروي القصة”.

- Advertisement -

- Advertisement -