لكل السوريين

الإعلام في مواجهة خطاب الكراهية: رسالة ووعي لصون السلم المجتمعي

سارة الأحمد

منذ فجر التاريخ، امتلكت الكلمة قوة سحرية على العقول والقلوب، فهي تبني حضارات وتوحد الشعوب، لكنها في الوقت نفسه قادرة على إشعال الفتن وتأجيج الصراعات. ومع التطور الهائل للإعلام الرقمي وتسارع نقل المعلومات بسرعة الضوء، بات أثر الكلمة مضاعفاً، سواء حمل رسالة بنّاءة تسعى إلى التفاهم أو خطاباً هداماً يغذي الانقسام. وهنا تبرز مسؤولية الإعلام في أن يكون حارساً للوعي ودرعاً واقياً أمام خطاب الكراهية الذي يهدد النسيج الاجتماعي ويقوض السلم الأهلي.

في الأزمات، قد تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى ساحات للتحريض، حيث يُستغل المقال أو الكاميرا أو حتى التغريدة لنشر الأحقاد وبث الانقسامات. لكن الإعلام المهني والمسؤول يمتلك القدرة المعاكسة، فهو قادر على التهدئة وترسيخ ثقافة التعايش، لأنه لا يكتفي بنقل الأخبار وإنما يصنع وعياً جمعياً ويؤسس لثقافة سلام قائمة على الحوار وقبول الآخر.

واجب الإعلام لا يتوقف عند حدود رصد خطاب الكراهية، بل يتعداه إلى كشفه وتعريته أمام الرأي العام، مبيناً مخاطره على وحدة المجتمع. وعندما تُطلق شائعة تستهدف جماعة بعينها أو يُستخدم خطاب لإقصاء المختلف دينياً أو عرقياً أو سياسياً، يصبح من واجب الإعلام التدخل عبر التحليل واستحضار الحقائق، دون تبرير الكراهية أو مساواة الضحية بالجلاد، ودون الاحتماء بذريعة “حرية التعبير”. فالمهنية تفرض على الإعلام أن يكون أداة لتفنيد الأكاذيب وتثبيت الحقائق، لا منصة لتضليل الناس أو إثارة النعرات.

خطاب الكراهية لا يُواجه بالصمت، بل بخلق وعي مضاد يتجسد في برامج توعوية وحوارات متوازنة وتحقيقات ميدانية تعرض نماذج إيجابية للتعايش. إبراز قصص التعاون بين المكونات الاجتماعية، وعرض المبادرات الشبابية الداعية إلى الوحدة، يزرع في أذهان المتلقين قناعة بأن السلام ليس شعاراً عابراً بل ممارسة يومية ممكنة. وعندما يرى المواطن أن الإعلام ينحاز للتعايش ويعزز قيم الحوار، يدرك أن الكراهية ليست قدراً مفروضاً بل خياراً مرفوضاً.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، باتت ساحة المواجهة أوسع وأكثر تعقيداً. فالمنصات الرقمية تُستخدم لنشر خطاب الكراهية لكنها تتيح أيضاً فرصاً هائلة للتصدي له عبر الحملات الرقمية والمحتوى الإيجابي والوسوم الهادفة. غير أن ذلك يتطلب من الإعلاميين امتلاك مهارات رقمية متقدمة وأخلاقيات مهنية راسخة، لأن أي انزلاق أو انحياز قد يفاقم الأزمة بدلاً من حلها.

الإعلام لا يمكن أن يخوض هذه المواجهة وحيداً، بل يحتاج إلى شراكات مع المؤسسات التربوية والدينية والثقافية. عندما يستضيف الإعلامي خبيراً نفسياً لشرح تأثير خطاب الكراهية على الصحة النفسية، أو مفكراً يسلط الضوء على جذور التعصب، فإنه يساهم في صياغة خطاب جماعي متكامل قادر على حماية المجتمع من الانزلاق إلى الفتنة. وهنا يصبح الإعلام جسراً يربط بين مختلف القطاعات، ليشكّل درعاً ثقافياً يحمي السلم الأهلي.

المسؤولية في هذا السياق تتجاوز حدود المهنية إلى البعد الأخلاقي. فالإعلامي الذي يدرك أن كل كلمة يمكن أن تشعل نزاعاً أو تطفئه، يصبح حارساً على لسانه وقلمه، ملتزماً بأمانة الكلمة وحرمتها. وحين تتحول المهنية إلى التزام أخلاقي راسخ، يصبح الإعلام قوة للخير، وصوتاً يعزز قيم العدالة والرحمة والعيش المشترك.

خطاب الكراهية، رغم أنه عابر للحدود ويهدد المجتمعات كافة، ليس قدراً محتوماً. فالإعلام قادر على تحويله من موجة جارفة إلى فرصة للوعي، ومن سمٍّ زعاف إلى درسٍ في المناعة الاجتماعية. وفي عالم يموج بالأزمات، يبقى الإعلام هو الصوت القادر على إعادة الإنسان إلى جوهره الحقيقي؛ جوهر الرحمة والعدل والإنسانية. فهو حين يرقى برسالته، لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يصنع التاريخ ويحمي قيم التعايش الإنساني.

- Advertisement -

- Advertisement -