لكل السوريين

حي وادي الجوز في حماة.. شاهد على غياب العدالة وذاكرة تُمسح بالجرافات

حماة/ جمانة الخالد

في قلب مدينة حماة، كان حي وادي الجوز يمثل نموذجاً حياً للتماسك الاجتماعي والتاريخ العمراني الذي تشكل عبر عقود من التعايش بين سكانه. لكن هذا الحي، الذي حمل اسمه دلالات المكان والذاكرة الجماعية، تحول إلى رمزٍ للمأساة التي عاشها آلاف السوريين تحت حكم نظام الأسد.

فبعد أن كان حياً شعبياً يعج بالحياة، أصبح أثراً بعد عين، مُسح بالجرافات كجزءٍ من سياسة العقاب الجماعي التي اتبعها النظام ضد المناطق التي شاركت في الثورة. اليوم، يُعاد طرح الأرض التي أقيم عليها الحي كمشروع استثماري فاخر تحت اسم “حي الياسمين”، ليُختزل بذلك تاريخٌ كاملٌ من النضال والتهجير في صفقة عقارية تكرس غياب العدالة الانتقالية وتتنكر لحقوق السكان الأصليين.

لم يكن وادي الجوز مجرد حي عشوائي، بل كان جزءاً من نسيج المشاعات السورية التي تعود جذورها إلى العهد العثماني، حيث كانت الأراضي تُدار بشكل جماعي لصالح المجتمعات المحلية. لكن مع دخول الانتداب الفرنسي، تغيرت القوانين وأُلغيت فكرة الملكية المشتركة، لتحل محلها مفاهيم الملكية الخاصة والعامة. ومع استقلال سوريا، توافد آلاف السكان من الأرياف إلى المدن، فاستقروا في الأحياء الطرفية مثل وادي الجوز، حيث بنوا منازلهم بجهودهم الذاتية، رغم غياب الترخيص الرسمي في كثير من الأحيان. ومع ذلك، لم يكن هؤلاء مغتصبين للأرض، بل اشتروا حقوق الارتفاق أو الحصص السهمية من ملاك الحصائر الزراعية، مما منحهم شرعية اجتماعية إن لم تكن قانونية بالكامل.

في سبعينيات القرن الماضي، أصدر نظام الأسد الأب “قانون التوسع العمراني” رقم 60 لسنة 1979، والذي منح الدولة سلطة مصادرة الأراضي الزراعية والمشاعات تحت ذريعة التخطيط العمراني. لكن التطبيق العملي كشف عن فسادٍ منهجي، حيث تحولت هذه القوانين إلى أداةٍ لنهب الأراضي وحرمان السكان من حقوقهم. فبدلاً من توفير سكنٍ آمن للمواطنين، أصبحت الأراضي المُصادرة رهينةً للبيروقراطية والصفقات المشبوهة، بينما ظل السكان يعيشون في منازلهم تحت تهديد دائم بالهدم.

مع انطلاق الثورة السورية في 2011، انضم أهالي وادي الجوز إلى الحراك الشعبي مطالبين بالحرية والكرامة. لكن مع تصاعد المواجهات المسلحة، تحول الحي إلى ملاذٍ للمقاتلين المعارضين، مما جعله هدفاً للقمع الممنهج. في 2013، وبعد اتفاقٍ مزعوم بين وجهاء الحي وممثلي النظام لوقف الاشتباكات، دخلت الجرافات الحي تحت حماية القوات الأمنية وهدمت المنازل بالكامل، متجاهلةً الاتفاقيات السابقة وحقوق السكان الذين امتلك الكثير منهم وثائق تثبت حيازتهم للأرض.

لم يكن الهدم عملاً عشوائياً، بل كان جزءاً من سياسة عقابية منهجية استهدفت تجريف المناطق التي وقفت ضد النظام، كما وثقت منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش”. فبعد أن فقد السكان بيوتهم، تشتتوا في مخيمات النزوح شمالي سوريا، دون تعويض أو اعترافٍ بوجودهم. وفي الوقت نفسه، سارعت حكومة النظام إلى تسويق الأرض كمشروع استثماري، لكن العقوبات الاقتصادية وفساد النظام حالا دون تنفيذ أي مشروع حقيقي. بقي وادي الجوز أرضاً جرداء، تنتظر اللحظة المناسبة لتدخل دائرة المضاربات العقارية.

بعد سقوط نظام الأسد، كان من المفترض أن تشهد سوريا مرحلةً جديدةً تقوم على العدالة الانتقالية وإعادة الحقوق إلى أصحابها. لكن ما حدث كان العكس تماماً. ففي آب/أغسطس 2025، وُقعت مذكرات تفاهم بين الحكومة الانتقالية ومستثمرين لتنفيذ مشروع “حي الياسمين” على أنقاض وادي الجوز، دون أي مراعاةٍ لحقوق السكان الأصليين. المشروع، الذي يضم 2600 وحدة سكنية فاخرة، لم يُطرح للمنافسة العلنية، ولم يُجرَ أي حوار مع النازحين الذين ما زالوا يعيشون في الخيام. بل إن اسم “وادي الجوز” نفسه سيُستبدل بـ”الياسمين”، في محاولةٍ لمحو الذاكرة الجماعية للمكان وتزيين الواقع بطلاءٍ من الرفاهية الزائفة.

المستثمرون يتحدثون عن “إشراك أهل حماة”، لكن من هم هؤلاء “الأهل”؟ هل هم العائلات الثرية التي ستشتري الشقق الفاخرة؟ أم هم الفقراء الذين هُجروا قسراً ولم يُسمح لهم حتى بالمطالبة بحقوقهم؟ الواضح أن المشروع يستهدف تحقيق أرباح سريعة، بينما يُهمش ضحايا التهجير الذين لم يُعترف بهم كأصحاب حقٍ في الأرض التي عاشوا عليها لعقود.

المأساة لا تقتصر على وادي الجوز، بل تمتد إلى عشرات الأحياء المماثلة في مختلف المدن السورية. فبعد سنوات الحرب، تحتاج سوريا إلى حلول جذرية لأزمة السكن، لكن هذه الحلول يجب أن تقوم على العدالة، لا على الإقصاء. المشاريع الفاخرة مثل “حي الياسمين” لن تحل مشكلة السكن العشوائي، بل ستزيد الفجوة الطبقية، وتكرس نظاماً يقوم على تهميش الفقراء وإقصائهم من المدن.

الحل لا يكمن في إعادة إنتاج سياسات النظام السابق، بل في وضع إستراتيجية سكنية عادلة تبدأ بالاعتراف بحقوق النازحين، وضمان مشاركتهم في أي مشروع تطوير. يجب أن تُدرس كل حالة على حدة، مع مراعاة الظروف القانونية والاجتماعية للسكان، وليس فقط المصالح الاستثمارية. كما أن على الدولة أن تضع ضوابط صارمة لمنع المضاربات العقارية، وتضمن أن تكون المشاريع الجديدة مخصصةً لذوي الدخل المحدود، وليس للأثرياء فقط.

قصة وادي الجوز ليست مجرد قصة هدمٍ وإعادة بناء، بل هي قصة صراعٍ بين الذاكرة والنسيان، بين العدالة والاستغلال. فالإعمار الحقيقي لا يعني فقط إقامة أبنية جديدة، بل يعني أيضاً إعادة الاعتبار للضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. إذا لم تُفتح ملفات السكن العشوائي والمشاعات بشفافية، وإذا لم يُعترف بحقوق السكان الأصليين، فستتحول مشاريع الإعمار إلى غطاءٍ لمزيدٍ من الظلم.

اليوم، يقف وادي الجوز شاهداَ على غياب العدالة الانتقالية في سوريا. فبدلاً من أن يكون نموذجاً للمصالحة وإعادة الإعمار، أصبح نموذجاً لاستمرار سياسات الإقصاء. وإذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتصحيح المسار، فسيظل هذا الحي، وغيره من الأحياء المماثلة، جرحاً مفتوحاً في جسد المدينة، يذكرنا بأن الإعمار دون عدالة هو مجرد وهمٍ آخر في سلسلة الأوهام التي عاشها السوريون لعقود.

- Advertisement -

- Advertisement -