لكل السوريين

في ذكرى طرد “داعش”… مدينة منبج من رغد التحرير إلى نفق الفوضى

أنهى علي محمد 30 عاماً (الاسم مستعار)، قبل أيام زيارته إلى مدينة الرقة وعاد إلى منزله الطابقي وسط منبج حيث يسكن، ظل يحكي لأقاربه في الرقة عن تبدل وجه المدينة منذ شهور حواجز متقلبة تفجيرات مباغتة وخوف يلزم الناس ببيوتهم باكراً في عينيه حنين لسنوات ما بعد 2016 عندما أدارت الإدارة الذاتية المدينة عقب طرد تنظيم “داعش”.

ويقول علي، “كنت نسهر ونعود مطمئنين اليوم إن لم تحسب خطواتك بدقة قد لا تصل إلى بيتك سالماً بالنسبة لعلي ليست القصة مجرد تبدل سلطة إنها انتقال من حياة آمنة نسبياً ونشيطة مدنياً وثقافياً إلى واقع تعمّه الفوضى والقلق”.

قبل العاصفة سنوات التحسن

بعد تحرير منبج صيف 2016 على يد مجلس منبج العسكري وقوات سوريا الديمقراطية وطرد تنظيم “داعش” منها بدعم التحالف الدولي، استعاد الفضاء الثقافي أنفاسه تم إنشاء اتحاد للمثقفين ولجنة ثقافة ومكتبة مركزية وأقيمت أمسيات شعر ومسرح وموسيقا.

ووثقت شخصيات ثقافية محلية تحسن المزاج العام والتخلص من إرث “داعش” القمعي، إذ انتعش التلاقي بين العرب والكرد والتركمان والشركس، وعاد الحديث العلني عن الفن والكتب والمسرح إلى الساحات والقاعات، بعد أن كانت هذه المجالات محظورة إبان التنظيم هذا التحول وثقته تقارير ميدانية محلية وأبرزت دور المؤسسات الثقافية الناشئة في توسيع الانفتاح وحرية التعبير.

وخلال تلك السنوات وفرت قوى الأمن الداخلي مظلة استقرار نسبي الخلايا النائمة لتنظيم “داعش”، والتي حاولت بين حين وآخر تنفيذ هجمات محدودة لكن كثيراً منها أُحبط، فيما عادت المدارس والمراكز الصحية إلى العمل تباعاً مع برامج لإعادة تأهيل البنية الخدمية وفق الإمكانات المتاحة، هذه الصورة لم تكن مثالية ولا خالية من النواقص لكنها بشهادة سكان كثيرين أفضل بما لا يقاس مما سبقها ولحقها.

وعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي عادت المدينة لتكون مركزاً للنشاطات العامة والفعاليات المتنوعة، التي جمعت مختلف المكونات الاجتماعية كان هناك مهرجانات موسيقية ومعارض فنية وأمسيات شعرية ساهمت في ترميم النسيج الاجتماعي الذي تضرر خلال فترة “داعش”.

كما رممت الإدارة الذاتية المدارس وإعادة نبض الحياة إلى القطاع التربوي والتعليمي، لإنقاذ جيل من الأطفال عاش لسنوات بدون تعليم إلى جانب محاولة تنظيم “داعش” زج أفكاره المتطرفة في أذهانهم، كما استطاعت الإدارة إعادة تأهيل القطاع الصحي وترميم المستشفيات والمراكز الصحية بعد أن دمر بعضها بسبب الحرب.

الهجوم والسيطرة أواخر 2024

في السادس من كانون الأول 2024 أطلقت تركيا والفصائل التابعة لها عملية عسكرية تحت اسم “فجر الحرية”، باتجاه منبج تقدمت الفصائل تحت غطاء مسيرات ومدفعية وذكرت التقارير التركية والإعلامية أنها سيطرت على معظم المدينة خلال أيام قليلة مع روايات رسمية تتحدث عن السيطرة على ثمانين بالمئة بحلول الثامن من كانون الأول قبل تثبيت النفوذ أوسع في الأيام التي تلت ذلك.

ومع تغيّر السيطرة تواترت تقارير حقوقية مستقلة خلال 2024 و2025 عن انتهاكات ممنهجة في مناطق النفوذ التركي، اعتقالات تعسفية مصادرة وتعذيب محاكم غير مستقلة في مناخ من الإفلات من العقاب وقد نقل سكان منبج نمطًا مشابهًا حيث تعدد جهات الأمر الواقع وظهرت نزاعات نفوذ وقلق من تغييرات ديموغرافية.

بعد السيطرة شهادات موسعة من قلب المدينة

ونقلت منظمة “هيومن رايتس ووتش” شهادات موسعة من قلب مدينة منبج تتحدث عن تبدل الحال بعد سيطرة الفصائل التابعة لتركيا، إذ يقول خالد 41 عاماً، وهو تاجر مواد غذائية، “إن الإتاوات زادت على الشاحنات الداخلة للسوق صار في حاجزين أو ثلاثة بطرق مختلفة وكل جهة تريد حصتها، كنت أوصل البضاعة خلال ساعة اليوم تأخذ ثلاث ساعات ونصف الربح يضيع على الطريق الناس قدرتها الشرائية نزلت”.

ومن جانبها تقول نهى 29 عاماً، وهي معلمة، “مع بدء الهجوم توقف دوامنا كم يوم لكن بعد السيطرة الجديدة تغير المنهاج فجأة، وما عدنا نضمن استمرار المدارس بانتظام في أسر كثيرة نقلت أولادها لقرى بعيدة أو لأقارب خارج منبج”.

أما أبو ياسر 56 عاماً يشير في حديثه لـ”هيومن رايتس ووتش”، “إلى أن المدينة صارت على أعصابها انفجارات متكررة، آخر انفجار كان بسيارة على أطراف المدينة راح ضحيتها نساء كثير، لم يبق أحد يخرج باكراً إلا للضرورة”، هذه الأحداث موثقة في تقارير “هيومن رايتس ووتش” ووكالة أنباء “أسوشيتد برس”.

ونقلت الجهتان عشرات الشهادات لسكان محليين في منبج يتحدثون على تبدل الوضع جذرياً إلى الاسوء بعد سيطرة الفصائل التابعة لتركيا على المدينة أواخر العام 2024.

أرقام ودلالات ما الذي تغيّر على الأرض

وسجل 3 شباط فبراير 2025 انفجار سيارة في أطراف منبج قتل 19 شخصا منهم 18 امرأة، وهذا التفجير السابع خلال شهر داخل المدينة ومحيطها ما يعكس نمط انفلات أمني متكرر بعد تبدل السيطرة.

وأظهرت تقارير حقوقية شاملة في 2024 و2025 اعتقالات تعسفية وتعذيب ونهب في مناطق سيطرة الفصائل المدعومة تركيا وسط محاكم عسكرية غير مستقلة وغياب للمحاسبة الفعلية سياق يتطابق مع شكاوى سكان منبج بعد أواخر 2024.

ووثقت “هيومن رايتس ووتش” استهداف سيارة إسعاف للهلال الكردي بضربة مسيرة في 18 كانون الثاني يناير 2025 قرب سد تشرين الذي يعد مصدرا حيويا للكهرباء والماء لمنبج وريفها.

لماذا تحسنت الحياة سابقاً ولماذا تردت الآن

سنوات الإدارة الذاتية قامت على مجالس محلية وأجهزة أمن موحدة وآلية خدمات منتظمة نسبياً اليوم هناك تعدد ولاءات الفصائل وتنازع مرجعياتها ما يخلق فراغا ادارياً ومناطقياً إلى جانب عشرات الانتهاكات وجرائم القتل والخطف التي تحدث يومياً وانعدام الخدمات.

بين 2016 و2023 انتعشت الفعاليات الثقافية وعادت المكتبات والأنشطة الموسيقية والشعرية، وهي مؤشرات على تعافي اجتماعي أما اليوم فشهادات أهالي منبج تتحدث عن إغلاق فضاءات الثقافة وتحويل بعضها إلى مقار عسكرية ما يعني انكماش المجال العام.

وكان الأمن جيداً وقابلاً للتنبؤ مع خطر خلايا “داعش” المحدود الآن التفجيرات المتكررة ومنها تفجير 3 شباط الدموي تؤكد واقع يصعب التنبؤ به ويعيد تشكيل الحياة اليومية.

وشكلت فترة الإدارة الذاتية 2016 حتى أواخر 2024 تأمين الأمن اليومي، وعودة المدارس والمشافي نشاط ثقافي واجتماعي متنوع مجالس محلية وأجهزة أمن موحدة نسبياً رغم نواقص وحصار.

وبعد سيطرة الفصائل المدعومة تركيا أواخر 2024 انفلات أمني وتعدد حواجز وجهات تفجيرات متتالية بينهما تفجير 3 شباط الذي أسقط 19 قتيل، إلى جانب ازدياد الانتهاكات وتآكل الفضاء الثقافي ومخاطر على مرافق حيوية مثل سد تشرين.

بين أمل التحرير ونفق الفوضى تتكثف حكاية منبج في شهادات أهلها وأرقام قاسية سنوات من التعافي الأمني والاجتماعي والثقافي تحت حكم الإدارة الذاتية، قابلتها أشهر قليلة قلبت المدينة إلى مسرح تفجيرات وحواجز متناحرة وانكماش مدني.

وتوضح الشهادات أن الناس يحنون إلى انتظام بسيط وفُسحة ثقافية واحترام للرزق، أشياء صارت فجأة رفاهية وحتى تتوحد المرجعيات الأمنية وتحمي كرامة المدنيين ويصان المجال الثقافي والخدمي، سيبقى عنوان منبج بالنسبة لكثيرين الحنين إلى ما قبل أواخر 2024 وما قبله من سنوات محاولة البناء.

- Advertisement -

- Advertisement -