لكل السوريين

‏ اللاجئون والمهجرون السوريون.. حلم العودة.. وقضايا شائكة

حاوره/ مجد محمد

‏أكد وائل حديدي أن ملف اللاجئين والمهجرين لا يختزل في مجرد عودة جماعية إلى الداخل، بل هو امتحان حقيقي لقدرة الحكومة المؤقتة على ترسيخ الثقة، وتحقيق العدالة، وضمان الكرامة والأمان لكل من اضطر لمغادرة منزله.

‏مع انتقال السلطة إلى الحكومة الانتقالية عقب سقوط النظام، بدأ السوريون يتطلعون إلى إجابات حقيقية حول مصير الملايين من اللاجئين والمهجرين المنتشرين في الداخل والخارج، ورغم الخطابات الرسمية التي تتحدث عن نوايا لإعادة المهجرين وضمان حقوقهم، لا تزال الكثير من الأسئلة بلا إجابة واضحة، وسط غياب خطط مفصلة وآليات تنفيذية على الأرض، ورغم تعهدات الحكومة المؤقتة بمعالجة ملف اللاجئين والمهجرين، إلا أن الواقع يكشف عن بطء في التحرك ونقص في الإجراءات العملية، ما يضعف ثقة السوريين العالقين بين الأمل والخوف، وإن عودة الناس إلى بيوتهم ليست مسألة شعارات أو وعود، بل تحتاج إلى ضمانات ملموسة، ومصارحة شفافة، وجهد منظم على جميع المستويات، ‏فما لم تترجم النوايا إلى أفعال، سيبقى هذا الملف مفتوحاً، وتبقى معاناة الملايين قائمة دون أفق واضح للحل.

‏وفي هذا الموضوع عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع الأستاذ وائل حديدي، عضو الحزب الشيوعي السوري الذي تم حله مؤخراً بعد سقوط النظام واستلام الحكومة الانتقالية.

‏*هل هناك خطة واضحة لعودة اللاجئين والمهجرين السوريين إلى مناطقهم الأصلية؟

‏نعم، بعد سقوط النظام واستلام الحكومة الانتقالية مقاليد السلطة، أعلنت على أنه تم اعتماد خطة وطنية شاملة لعودة اللاجئين والمهجرين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، هذه الخطة وضعت بالتنسيق مع مؤسسات الدولة الانتقالية، واللجان المحلية، وبمشاركة عدد من المنظمات الدولية المعنية بشؤون اللاجئين، وتركز الخطة التي تم وضعها على ضمان العودة الطوعية الآمنة، وتبدأ بتأهيل البنى التحتية الأساسية في المناطق المتضررة، وتأمين الخدمات الحيوية كالكهرباء والمياه والمدارس والمراكز الطبية، كما تشمل برامج دعم نفسي واجتماعي للعائدين، وضمان عدم تعرض أي فرد للمساءلة أو الاعتقال السياسي بسبب نشاطه السابق ضد النظام، وقد بدأت بالفعل بعض الخطوات التنفيذية في المناطق الأكثر استقراراً، وتم تشكيل لجان استقبال في عدد من المعابر الحدودية، كما جرى التواصل مع الدول المستضيفة للاجئين لتنظيم هذه العودة بشكل آمن وكريم.

‏*ما الضمانات التي تقدمها الحكومة الانتقالية لضمان أمن العائدين وعدم تعرضهم للاعتقال أو الانتقام؟

‏الضمانات التي يمكن أن تطرحها الحكومة المؤقتة لضمان أمن العائدين وعدم تعرضهم للاعتقال أو الانتقام بعد سقوط النظام تختلف بحسب الظروف السياسية والواقعية على الأرض، لكن يجب إصدار قوانين عفو واضحة ومعلنة، فقد تعتمد الحكومة المؤقتة قوانين عفو عام عن كافة المعارضين أو المتخلفين عن الخدمة الإلزامية، شرط ألا يكونوا متورطين بجرائم موثقة ضد المدنيين، وإنشاء لجنة للعدالة الانتقالية وتعمل هذه اللجنة على توثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، مع ضمان عدم تعميم الاتهامات على أساس الانتماء السياسي أو المناطقي، مما يساهم في منع الانتقام، ويجب ان يكون هناك إشراف دولي على عمليات العودة.

‏فمن المرجح أن تطلب الحكومة وجود بعثات رقابة من الأمم المتحدة أو منظمات حقوقية دولية لضمان أمن العائدين ومتابعة أوضاعهم ميدانياً، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية كخطوة وقائية، قد تقوم الحكومة بإعادة تشكيل مؤسسات الأمن والشرطة بإشراف مدني، مع تدريب العناصر الجديدة على احترام حقوق الإنسان وتجنب أي سلوك انتقامي، وإنشاء قنوات لتقديم الشكاوى والانتهاكات، مثل توفير مكاتب أو منصات تتيح للمواطنين العائدين الإبلاغ عن أي انتهاكات يتعرضون لها، مع ضمان التحقيق والمتابعة، والتأكيد على مبدأ المواطنة المتساوية، عبر خطابات رسمية وقرارات قانونية، قد تسعى الحكومة لتأكيد أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون، دون تمييز على أساس مواقفهم السابقة من النظام، ولكن هذه الإجراءات تبقى مرهونة بمدى قدرة الحكومة على بسط سيطرتها فعلياً على الأرض، وبالتوافق السياسي الوطني والدعم الدولي.

‏*متى يتوقع أن تبدأ عودة اللاجئين والمهجرين فعلياً إلى مناطقهم؟

‏حتى اللحظة، لا يوجد جدول زمني دقيق لبدء عودة اللاجئين والمهجرين فعلياً إلى مناطقهم، إذ يتوقف ذلك على مجموعة من العوامل الأساسية، أبرزها مدى استقرار الوضع الأمني في الداخل، وتوفر الخدمات الأساسية في مناطق العودة، بالإضافة إلى التفاهمات السياسية المحلية والدولية، والحكومة قد تعلن نيتها البدء بعمليات العودة على مراحل، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تشهد استقراراً نسبياً، لكنها ما تزال بحاجة إلى دعم دولي ولوجستي كبير لتأمين ظروف عودة آمنة وكريمة.

‏*هل ستكون المناطق التي سيعود إليها اللاجئون مناطق آمنة فعلاً؟ ومن يضمن أمنها؟

‏تختلف درجة الأمان في المناطق التي سيعود إليها اللاجئون حسب الظروف المحلية ومدى استقرار الوضع الأمني فيها، الحكومة تسعى إلى تأمين هذه المناطق من خلال تعزيز وجود الأجهزة الأمنية الجديدة وإعادة بناء المؤسسات الرسمية، لكنها تواجه تحديات متعلقة بتعدد الفصائل الأمنية التابعة لها، ووجود مجموعات مسلحة محلية، وتفاوت قدرة السيطرة على الأرض، وفي بعض المناطق، قد تلعب قوات الأمن المحلية أو الحلفاء الدوليون دوراً في حفظ الاستقرار، بينما في مناطق أخرى قد يكون الوضع أكثر هشاشة،

‏كما يمكن أن تساهم بعثات دولية ومراقبة حقوقية في دعم ضمانات الأمن وحماية العائدين من أي تهديدات أو انتهاكات، بالتالي يبقى ضمان الأمن في المناطق المستهدفة أمراً معقداً ويعتمد على عدة عوامل سياسية وعسكرية وأمنية متداخلة، ولكن يجب على الحكومة ضبط العناصر التابعين لها أكثر.

‏*حصلت حوادث اغتيال لسوريين عائدين من أوروبا في دير الزور ودمشق، ماذا بهذا الشأن؟

‏‏حوادث اغتيال عائدين من الخارج تثير قلقاً كبيراً حول واقع الأمن والحماية في المناطق التي شهدت عودة المهجرين، الحكومة المؤقتة عادة ما تؤكد أنها تعمل على التحقيق في مثل هذه الحوادث، وتقديم مرتكبيها إلى العدالة، كما تعلن التزامها بضمان سلامة جميع العائدين، ‏ومع ذلك تبقى هناك مخاطر حقيقية تواجه بعض الأفراد، خاصة أولئك الذين لهم نشاط سياسي أو معارض قوي، حيث قد تكون هناك قوى محلية أو جهات معارضة لها مصالح أو أحقاد، ما يعقد ملف الأمن بشكل أكبر، ومن باب آخر كما ذكرت لك يجب فرض الأمن بشكل أكبر والسيطرة على الفصائل المسلحة التابعة للحكومة بشكل منظم اكثر، فهم يرتكبون انتهاكات لا يمكن نكرانها، وهذه الحوادث تدعو إلى الحاجة لتعزيز آليات الحماية، وضمانات أمنية أقوى، وربما إشراف دولي مستقل لتوثيق الحوادث ومحاسبة المسؤولين، لتوفير بيئة أكثر أماناً للعائدين.

‏*هل هناك آلية لتعويض اللاجئين عن ممتلكاتهم المصادرة أو المتضررة؟

‏حتى الآن، لم تعلن الحكومة الانتقالية عن آلية واضحة وموحدة لتعويض اللاجئين عن ممتلكاتهم المصادرة أو المتضررة خلال فترة النزاع، ففي بعض التصريحات العامة، يشير المسؤولون إلى وجود نية لإنشاء لجان مختصة لتقييم الأضرار وتقديم التعويضات أو التعويض العيني، لكن التفاصيل التنفيذية لهذه الخطط لا تزال غير واضحة أو غير مكتملة، والتحديات التي تواجه تنفيذ أي آلية تعويض تشمل تأمين التمويل اللازم، وتحديد أصحاب الحقوق بدقة، وضمان عدم تكرار النزاعات على الملكيات، كما أن وجود نزاعات قانونية أو عوائق إدارية قد يعوق عملية التعويض بشكل فعال، وبالتالي يبقى هذا الملف من القضايا الحساسة التي تحتاج إلى حلول شاملة وشفافة بدعم محلي ودولي.

‏‏*هل هناك تنسيق مع الأمم المتحدة أو دول مضيفة لتنظيم العودة؟

‏‏حتى الآن، لا توجد معلومات رسمية واضحة تشير إلى وجود تنسيق رسمي ومنظم بين الحكومة المؤقتة والأمم المتحدة أو الدول المضيفة للاجئين بشأن تنظيم عملية العودة، ومع ذلك يفترض أن أي خطة جادة للعودة الآمنة ستحتاج إلى تعاون مع منظمات دولية مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، واللجان الدولية لتنسيق المساعدات، لضمان توفير الدعم اللوجستي والإنساني، والدول المضيفة قد تكون شريكاً مهماً في تسهيل العودة الطوعية، لكن ذلك يعتمد على الظروف السياسية والأمنية في كل من بلد اللجوء ومناطق العودة، والنجاح في تنظيم العودة يتطلب توافقاً داخلياً ودعماً دولياً واسعاً، وهو أمر قد يكون قيد التفاوض أو التطوير حالياً.

‏‏*ما الدعم المطلوب من المجتمع الدولي لإنجاح عملية العودة؟

‏‏لإنجاح عملية عودة اللاجئين والمهجرين، تحتاج سوريا إلى دعم دولي متعدد المستويات، يمكن تلخيصه في النقاط التالية، دعم مالي مباشر لتمويل إعادة الإعمار، وتأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية في مناطق العودة، مثل السكن، الماء، الكهرباء، والمدارس، ومساعدة فنية وتقنية تتعلق بإعداد سجلات الملكية، توثيق الأضرار، تصميم آليات التعويض، وضمان إدارة فعالة لملف العودة، وإشراف ومراقبة دولية لضمان أن العودة تتم بشكل طوعي وآمن، دون إكراه أو تهديد، ولرصد أي انتهاكات قد تطال العائدين، ودعم سياسي وقانوني لتوفير الغطاء الدولي اللازم، وتشجيع الأطراف المختلفة على الالتزام بحقوق العائدين، بما في ذلك ضمان حرية التنقل، وحماية الممتلكات، واستعادة الوثائق الرسمية، والمساعدة في برامج إعادة الإدماج من خلال دعم مشاريع اقتصادية صغيرة، وتأمين فرص عمل، وبرامج نفسية واجتماعية لتسهيل اندماج العائدين في مجتمعاتهم من جديد، وبدون هذا النوع من الدعم الشامل، تبقى أي عملية عودة عرضة للفشل أو للتأزيم، خاصة في ظل التحديات التي خلفتها سنوات النزاع.

‏*ختاماً، هل سيكون هناك إشراف دولي على حماية العائدين من أي أعمال انتقامية؟

‏‏حتى الآن، لا توجد مؤشرات جدية على أن الحكومة قد طلبت أو رتبت بشكل فعلي لإشراف دولي مباشر على حماية العائدين، رغم حساسية هذا الملف وخطورته، ففي ظل غياب مؤسسات أمنية موحدة ومستقلة، وتعدد الجهات المسلحة في بعض المناطق، تزداد المخاوف من أن يكون العائدون عرضة لأعمال انتقامية أو تصفية حسابات، سواء بسبب مواقفهم السياسية السابقة أو بسبب نزاعات محلية، ورغم الوعود المتكررة بتوفير بيئة آمنة، لم تترافق تلك التصريحات بخطوات تنفيذية ملموسة، كطلب رسمي لبعثات مراقبة دولية، أو إنشاء آليات رقابة محلية شفافة ومستقلة، ‏هذا الغياب للإجراءات الوقائية يعتبر نقطة ضعف كبيرة في سياسة الحكومة المؤقتة، ويضعف ثقة اللاجئين بجدية العودة، ويعزز المخاوف من تكرار الانتهاكات التي دفعتهم للهجرة في الأساس، لذلك يبقى الإشراف الدولي أحد المطالب الأساسية، ليس فقط لضمان حماية العائدين، بل لضمان المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، وهو ما لم تتعامل معه الحكومة الانتقالية بجدية كافية حتى الآن.

- Advertisement -

- Advertisement -