لكل السوريين

الحرب الخفية.. آليات التضليل الإعلامي في سوريا وكيفية مواجهتها

جمانة الخالد

في خضم العاصفة الإعلامية التي تضرب سوريا، تبرز معركة خفية لا تقل خطورة عن ساحات القتال الفعلية، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات حرب جديدة تتناثر فيها الأخبار المزيفة كألغام موقوتة تهدد بزعزعة استقرار المجتمع.

وتكشف الأرقام الرسمية عن وجود شبكة ضخمة من الحسابات الوهمية تتجاوز 300 ألف حساب، تعمل بمنهجية محكمة لنشر الفتنة وتأجيج الصراعات، مستخدمة تقنيات متطورة في التضليل تتراوح بين تقديم “نصف الحقائق” واستخدام مواد بصرية قديمة أو معدلة، محولة نزاعات قبلية محدودة إلى أحداث طائفية مفتعلة، وصولاً إلى اجتزاء تصريحات المسؤولين وإخراجها من سياقها لخدمة أجندات معادية.

وهذه الشبكات لا تعمل في فراغ، بل تجد بيئة خصبة لها في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها سوريا، حيث الأزمات الاقتصادية والمعيشية الحادة تجعل المواطنين أكثر قابلية للوقوع فريسة الشائعات. فالإنسان الذي يعاني من الفقر والحرمان يصبح أكثر عرضة لتصديق الوعود الكاذبة والروايات المغرضة. كما أن غياب الوعي الإعلامي وندرة منصات التحقق المحلية تجعل الناس عاجزين عن تمييز الحقيقة من الزيف، مما يسهل مهمة المروجين للأخبار المزيفة.

الأمر لا يقتصر على الحسابات الوهمية فقط، بل يمتد إلى بعض وسائل الإعلام الدولية والمنصات الحقوقية التي تتبنى روايات غير محايدة. فتحقيقات أجرتها منصات مثل “إيكاد” و”بي بي سي” كشفت أن جزءاً كبيراً من هذه الحملات يُدار من إسرائيل وإيران ولبنان، حيث تعمل شبكات من “المزارع الإلكترونية” التي تنتج محتوى تحريضياً يومياً.

وتستخدم هذه الشبكات تقنيات متطورة، مثل إنشاء حسابات وهمية تحمل أسماء سورية وتتحدث باللهجة المحلية، مما يجعلها أكثر قدرة على خداع المستخدمين. كما تلجأ إلى استغلال الأزمات الإنسانية، مثل النزوح أو نقص الخدمات، لتقديمها على أنها نتيجة “إهمال الدولة” أو “اضطهاد طائفي”، في حين أن العديد من هذه المشكلات هي نتاج ظروف الحرب والعقوبات الاقتصادية.

في مواجهة هذه العاصفة، تبرز الحاجة إلى استراتيجية متكاملة تعتمد على عدة محاور رئيسية. أولاً، تعزيز الإعلام المحلي المهني الذي يشكل خط الدفاع الأول، حيث يمكن لوسائل الإعلام المستقلة والمحايدة أن تشكل حاجزاً أمام انتشار الأخبار المزيفة. ثانياً، تنفيذ برامج توعية إعلامية مكثفة تعلم المواطنين مهارات التحقق من المعلومات وتمييز المصادر الموثوقة. ثالثاً، تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة هذه الشبكات التي تعبر الحدود، حيث أن العديد من الحملات تنطلق من خارج البلاد. رابعاً، تفعيل آليات قانونية رادعة لمحاسبة المروجين المتعمدين للأخبار الكاذبة.

لكن هذه الاستراتيجية لن تكتمل دون معالجة الأسباب الجذرية التي تجعل المجتمع عرضة للتضليل الإعلامي. فتحسين الأوضاع المعيشية وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي يشكل حائط صد أمام محاولات التلاعب بالرأي العام. كما أن تعزيز الثقة بين المواطنين والدولة يقلل من فعالية الحملات التي تهدف إلى زعزعة هذه الثقة.

سوريا تواجه تحديات جمة في هذا المجال، حيث تحول العقوبات الدولية دون تعاونها مع شركات التقنية الكبرى لمواجهة هذه الظاهرة. كما أن بعض المبادرات المدنية التي تحاول سد الفجوة تبقى محدودة التأثير دون دعم مؤسسي حقيقي.

بالمحصلة؛ هذه المعركة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي تحد وطني يتطلب تضافر كل الجهود. ففي عصر أصبحت فيه المعلومات سلاحاً لا يقل فتكاً عن الرصاص، فإن حماية العقل الجمعي للسوريين أصبحت مسألة حياة أو موت. المستقبل سيكون لمن يمتلك القدرة على تمييز الحقيقة من الزيف، والصمود في وجه هذه العاصفة الإعلامية التي تهدد بتفتيت النسيج الاجتماعي. النجاح في هذه المعركة يتطلب جبهة موحدة تجمع الحكومة والإعلاميين والمجتمع المدني والمواطنين العاديين، لأن الخطر لا يهدد طرفاً دون آخر، بل يهدد الجميع دون استثناء.

- Advertisement -

- Advertisement -