لكل السوريين

موظفو ريف حماة.. رحلة يومية محفوفة بالمخاطر والتحديات

حماة/ جمانة الخالد

يعيش الموظفون العاملون في ريف حماة معاناة يومية مركبة بسبب صعوبات التنقل بين المدارس والقرى النائية، حيث تشكل الطرق الوعرة وبُعد المسافات ونقص وسائل المواصلات تحدياً كبيراً يؤثر على أدائهم المهني وحياتهم الشخصية. تبدأ المعاناة منذ ساعات الفجر الأولى، عندما يضطر الموظف إلى مغادرة المنزل في ظروف مناخية قاسية، سواء في حر الصيف اللاهب أو برد الشتاء القارس، ليقطعوا مسافات طويلة تصل في بعض الأحيان إلى عشرات الكيلومترات للوصول إلى مدارسهم.

تفتقر العديد من القرى في ريف حماة إلى شبكة طرق معبدة بشكل جيد، مما يجعل التنقل شبه مستحيل في أيام الأمطار الغزيرة أو عند تشكل الضباب الكثيف. بعض الموظفين يضطرون إلى السير على الأقدام لمسافات طويلة بعد نزولهم من وسائل النقل المتاحة، مثل الحافلات القديمة أو السيارات الخاصة التي تعمل بنظام “الخدمة”، والتي غالباً ما تكون مكتظة بالركاب وغير مريحة. كما أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره يشكل عائقاً إضافياً، حيث يرفع سعر تنقلات الموظفين إلى مستويات غير معقولة مقارنة بمرتباتهم المتواضعة، مما يضطر بعضهم إلى تحمل مشقة السير لساعات لتجنب هذه التكاليف.

لا تقتصر المعاناة على الجانب المادي أو الجسدي فحسب، بل تمتد إلى الجانب النفسي أيضاً. فالكثير من المعلمين، وخاصة النساء، يعانون من الخوف أثناء تنقلاتهم بسبب انعدام الأمان في بعض الطرق النائية، حيث تكثر الحوادث المرورية بسبب عدم صلاحية الطرق، أو يتعرضون أحياناً للمضايقات أثناء انتظارهم وسائل النقل. كما أن الوصول المتأخر إلى الدائة بسبب صعوبة المواصلات يعرضهم للوم إدارة المؤسسة، رغم أن التأخير خارج عن إرادتهم تماماً.

تتفاقم المشكلة بالنسبة للموظفين الذين يعملون بنظام “التعاقد” أو “المياومة”، والذين لا يحصلون على بدل مواصلات كافٍ، مما يجعل جزءاً كبيراً من رواتبهم يذهب إلى تغطية نفقات التنقل اليومي. بعض الموظفين يضطرون إلى تغيير مكان إقامتهم بشكل مؤقت خلال أيام الأسبوع، مما يفصلهم عن عائلاتهم لفترات طويلة، بينما يرفض آخرون تعيينات الدوائر النائية بسبب هذه الصعوبات، مما يؤدي إلى نقص في الكوادر العاملة في القرى.

أما بالنسبة للموظفات، فإن المعاناة تكون مضاعفة، حيث تواجهن صعوبات أكبر في التنقل بسبب العادات الاجتماعية التي تفرض عليهن البحث عن وسائل نقل آمنة ومحافظة، والتي غالباً ما تكون غير متوفرة. كثيرات منهن يضطررن إلى الاعتماد على الأقارب أو الجيران لنقلهن، مما يزيد من أعبائهن النفسية والمالية. كما أن غياب دور رعاية الأطفال بالقرب من المدارس النائية يجبر بعض الموظفات على ترك أطفالهن في المنزل لفترات طويلة، أو حتى التخلي عن العمل الوظيفي في الريف بسبب عدم القدرة على التوفيق بين واجباتهن المهنية والأسرية.

على الرغم من هذه التحديات، يواصل الموظفون في ريف حماة أداء رسالتهم التعليمية بتفانٍ كبير، حيث يبذلون جهوداً مضنية في أصعب الظروف. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن هذه المعاناة تؤثر سلباً على جودة التعليم، حيث يصل الموظفون إلى الدائرة مرهقين، وغير قادرين أحياناً على تقديم أفضل ما لديهم بسبب الإجهاد اليومي الذي يعانونه. كما أن عدم الاستقرار في العمل بسبب صعوبة التنقل يؤدي إلى عزوف الكثير من الكفاءات عن العمل في الريف، مما يفقد المدارس خبرات مهمة.

الحلول لهذه المعاناة ليست مستحيلة، لكنها تتطلب إرادة حقيقية من الجهات المعنية. أولاً، يجب توفير وسائل نقل مخصصة وآمنة للمعلمين، سواء عبر حافلات مدرسية منتظمة أو بدل مواصلات عادل يغطي تكاليف التنقل الفعلية. ثانياً، تحتاج المدارس النائية إلى بنية تحتية أفضل، مثل شق طرق معبدة وبناء مساكن للموظفين لتخفيف أعباء التنقل. ثالثاً، يجب دعم الموظفين نفسياً ومادياً، عبر تحسين رواتبهم وتوفير تأمين صحي واجتماعي يليق بتضحياتهم.

لذا فإن معاناة موظفي ريف حماة من التنقل ليست قضية فردية، بل هي قضية وطنية تمس مستقبل المؤسسات في سوريا. فبدون موظفين مستقرين نفسياً وجسدياً، لا يمكن تقديم خدمات والنهوض بالمجتمع. إن الاهتمام بتحسين ظروف تنقل الموظفين ليس منةً أو تفضلاً، بل هو واجب وطني يجب أن يكون على رأس أولويات أي خطة تنموية حقيقية.

- Advertisement -

- Advertisement -