لكل السوريين

المياه الملوثة في سوريا.. خطر صامت يهدد الإنسان والطبيعة في زمن الحرب والجفاف

في بلد أنهكته الحرب الممتدة لأكثر من عقد من الزمن، لم تقتصر آثار النزاع على الدمار والتهجير فحسب، بل امتدت لتطال أحد أكثر عناصر الحياة الأساسية: المياه. باتت سوريا اليوم تواجه أزمة مائية معقّدة، حيث اختلطت ندرة الموارد مع التلوّث البيئي الحاد، فانتشرت الأمراض، وتدهورت الأراضي الزراعية، وارتفعت نسبة الوفيات بسبب مياه غير صالحة للاستهلاك البشري. في هذا التقرير، نسلّط الضوء على حجم الكارثة الخفية التي تفرضها المياه الملوّثة على صحة الإنسان والنظام البيئي، ونستعرض أسبابها، تداعياتها، وجهود الاستجابة المحدودة في ظل تحديات اقتصادية وسياسية خانقة.

السياق العام: الحرب والمناخ يكشفان أزمة المياه

أدّت الحرب الممتدة منذ عام 2011 إلى تدمير واسع للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي. اليوم، تعمل فقط نحو 50 % من أنظمة المياه والمعالجة في سوريا، مقارنةً بنحو 98 % قبل الحرب في المدن و92 % في المناطق الريفية

انخفاض هطول الأمطار وحدّة الجفاف، خاصة في شتاء 2024–2025 الذي يعتبر الأسوأ منذ 1956، أدّى إلى أزمة مياه حادة في دمشق، إذ تقلّص إمداد ينبوع عين الفيجة – الذي يغذي نحو 5 ملايين شخص بنسبة 70 % – إلى نسبة ضئيلة، ويُشغّل السكان مضخات خاصة ومياه ناقلة غير معقمة

تلوث ناتج عن الحرب والصناعة:

المصافي العشوائية، خاصة في شمال شرق سوريا كـالحسكة ولمناطق النفط، سبّبت تسرب كميات هائلة من الهيدروكربونات السامة إلى الأنهار والقنوات، ومنها نهر جير زيرو الذي يلقّب بـ”نهر الموت”، مع تسجيل حالات إجهاض وتشوهات خلقية بين السكان المجاورين

دراسة PAX توثّق وجود ما لا يقل عن 530 تسرب نفطي، و690 مجمّعاً لمرافئ مصافي، بالإضافة إلى 227 كم ملوّث من الأنهار والقنوات، مما يؤثر مباشرة على الزراعة والمياه الصالحة للشرب

تلوث بكتيري وكيميائي:

توقف أكثر من ثلث محطات المضخّات بحلول 2019، واضطرار السكان لاستخدام الآبار غير المعقّمة في مناطق مثل دير الزور والرقة، مما أدى إلى ارتفاع كبير في الأمراض المنقولة عبر المياه، مثل الكوليرا والتيفوئيد والتهاب الكبد A، وأمراض الإسهال خصوصاً عند الأطفال

في مناطق مثل الغوطة وريف دمشق، تجاوزت مستويات الأمونيا والـBOD والمعادن الثقيلة (مثل الكروم والرصاص) حدود المعايير الصحية بمرات عديدة، وبعض الآبار بلغت مستويات الرصاص 4 إلى 6 أضعاف الحدّ الآمن

تدهور بيئي وصحي أعمق:

في الشمال الغربي سُجّلت تراكمات للزئبق والزرنيخ والتلوّث بالمعادن الثقيلة نتيجة القصف والصراع وانتشار النفايات غير المعالجة، مما يهدد مستقبل الزراعة وصحّة السكان

ظهور مكبات النفايات المفتوحة مع تراكم أكثر من 850 طن يومياً دون معالجة، وأشغال حرق النفايات الملوّثة، أدّت إلى تصدير الملوثات إلى الهواء والتربة والمياه الجوفية

النتائج الصحية والاجتماعية

تفشّي وباء الكوليرا منذ سبتمبر 2022 في مناطق الشمال والشمال الشرقي، وصل إلى أكثر من 13,000 حالة مشتبه بها، و60 وفاة مؤكدة، مرتبطة باستخدام مياه نهري الفرات الملوّثة، وغسيل الخضار منها. الإسهال الحاد والتهاب الكبد والتيفوئيد حُدّدوا كمؤشرات خطيرة للتلوث المتعدد المصادر

ارتفع معدل الإسهال الحاد بنسبة تصل إلى 47 % في بعض البيئات، مع انتشار حشرات جلدية مثل الجرب والقمل بسبب ضعف البنية الصحية في المخيمات والمناطق النازحة، التي تعتمد على مياه ناقصة النظافة ومحطات صرف غير كافية

التأثير على الطبيعة والزراعة

اعتماد حوالي 70 % من الأراضي الزراعية على مياه ملوثة أو غير كافية بعدما تعرّضت أنظمة الري للتدمير، فتعطّلت الأمن الغذائي محلياً، وزادت معدلات الفقر الغذائي

التسمّم بالنفط والمعادن الثقيلة تُقلّل من جودة التربة والمحاصيل: ألوان الحيوانات النادرة، وفقدان الإنتاجية، مع تغيّرات في قشرة الحيوانات البيطرية مثل البيض والصوف كما وثّقت شهادات السكان المحليين.

التحديات والعجز في الاستجابة

ضعف الإطار القانوني لإدارة الموارد المائية، مركزية نادرة، وقصور في تنفيذ السياسات تجعل التنظيم البيئي شبه مستحيل، فيما المؤسسات البيئية تنهار مع التشرذم الإداري وفقدان الكوادر الفنية

نقص التمويل الدولي للمشاريع الصحية والمائية: نسبة مخصصة لبنية WASH لا تتجاوز 4‑8 % من الاستجابة الإنسانية في بعض السنوات، مما يزيد من تفاقم الأزمة الصحية بيئيًا واجتماعيًا.

توصيات عاجلة

استعادة وصيانة محطات المياه ومعالجة المياه، خصوصاً معالجة مياه الصرف الصحي قبل تصريفها، للحد من انتشار الأمراض.

إبطال عمل المصافي العشوائية أو تنظيمها ومراقبة النفايات الصناعية، خاصة في مناطق شمال شرق وريف حمص.

دعم مشاريع محلية لرصد جودة الماء، كما بدأت مبادرات شبابية محلية في شمال شرق سوريا باستخدام أدوات مراقبة بيئية

تخصيص تمويل دولي موجه وفعّال لتوسيع خدمات WASH في مخيمات النازحين والمناطق الريفية المتضررة.

دعم أبحاث بيئية مستقلة تشارك علماء سوريين في تقييم التلوّث على المدى الطويل وتأثيره على الأمن الغذائي والصحي.

أدى تآكل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي تحت وطأة الحرب والجفاف إلى أزمة بيئية وإنسانية مزمنة: مياه شرب ملوّثة بالكائنات الدقيقة والمواد السامة، أمراض وكوارث صحية بين السكان، وتلوّث يهدد الزراعة والنظم البيئية. دون استجابة عاجلة ومنهجية، فإن الآثار طويلة الأمد ستطال الجيل القادم وتعيق عملية التعافي والتطوّر في سوريا.

- Advertisement -

- Advertisement -