لكل السوريين

‏سياسي سوري: العلاقات الإقليمية والدولية لسوريا الجديدة تضع الحكومة الانتقالية في اختبار

حاوره/ مجد محمد

‏أكد مرهف العزيز إن هذا المرحلة تتطلب عقلانية سياسية، ومهارة دبلوماسية لإعادة تموضع الدولة دون الانزلاق إلى التبعية أو العزلة، وبين التطلعات الشعبية والضغوط الإقليمية، تظل قدرة الحكومة الانتقالية على رسم سياسة خارجية متوازنة هي مفتاح الاستقرار الداخلي والانفتاح الدولي في آن واحد.

‏ربما لا تزال ملامح سوريا الجديدة غير واضحة بالكامل، لكن ما يبدو مؤكداً أن علاقاتها الإقليمية والدولية لن تعود كما كانت، فالتحدي الأكبر لن يكون فقط في إعادة الإعمار أو إصلاح الداخل، بل في بناء توازنات خارجية جديدة تضمن السيادة والاستقلال، دون استعداء أحد أو الارتهان لأحد، سوريا بعد التغيير أمام فرصة تاريخية لإعادة تموضعها في محيطها العربي والدولي، شرط أن تحكمها رؤية سياسية واقعية، وخطاب طمأنة، وإرادة وطنية مستقلة، ومشاركة جميع اطياف الشعب في بنائها دون إقصاء.

‏وبهذا الخصوص عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع الأستاذ يونس جميل، عضو حزب التقدمي السوري ودار الحوار التالي:

‏*برأيكم، هل الانفتاحات العربية الأخيرة على دمشق تعكس تحولاً حقيقياً في الموقف العربي، أم أنها مجرد خطوات تكتيكية؟

‏الانفتاحات العربية الأخيرة على حكومة دمشق المؤقتة يمكن النظر إليها من زاويتين: الأولى تعكس تحولاً براغماتياً أكثر منه مبدئياً في الموقف العربي، إذ أدركت بعض العواصم أن العزلة لم تؤدي إلى تغيير في سلوك النظام السوري البائد، بل ربما زادت من ارتمائه في أحضان حلفائه التقليديين، خصوصاً إيران وروسيا، من هذا المنطلق، جاء الانفتاح على الحكومة الانتقالية الجديدة كجزء من محاولة لاحتواء النفوذ الإيراني وفتح قنوات تأثير عربي داخل سوريا، أما الزاوية الثانية، فهي أن هذا التقارب لا يزال حتى الآن في إطاره الرمزي والدبلوماسي أكثر من كونه خطوة استراتيجية كاملة الأركان، فالكثير من الدول لا تزال تتردد في تقديم دعم اقتصادي حقيقي أو المضي في التطبيع الكامل ما لم تُحرز العملية السياسية تقدماً أو تظهر الحكومة الانتقالية مرونة في ملفات والإصلاح السياسي، والابتعاد عن الاسلام المتشدد، بالتالي يمكن القول إن الانفتاح يحمل ملامح التحول، لكنه مشروط ويخضع لاختبارات متعددة، وهو أقرب إلى الانخراط الحذر منه إلى تغيير جذري في المواقف

‏*هل تعتقد أن الانفتاح العربي قد يؤدي إلى تغيير في موقع سوريا الإقليمي أو في علاقاتها مع الحلفاء التقليديين كإيران وروسيا؟

‏بعد سقوط نظام الأسد، بات واضحاً أن الانفتاح العربي الذي بدأ قبل أعوام لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل كان تمهيداً لإعادة صياغة موقع سوريا الإقليمي ضمن توازنات جديدة، هذا الانفتاح أسهم بشكل مباشر في إعادة دمج سوريا ضمن المحيط العربي، لكنه في الوقت ذاته غير من طبيعة علاقاتها مع الحلفاء التقليديين، خصوصاً إيران وروسيا، فعلى الرغم من أن طهران وموسكو شكلتا عمقاً استراتيجياً للنظام السابق، إلا أن مرحلة ما بعد سقوطه شهدت تراجعاً نسبياً لنفوذهما، نتيجة تغير المعادلات الداخلية، ورغبة قوى جديدة مدعومة عربياً في إعادة بناء الدولة على أسس أكثر استقلالية عن المحاور الخارجية، فالانفتاح العربي منح القوى الوطنية فرصة للتحرك في بيئة أقل تبعية، ما ساهم في تنويع الشراكات الخارجية لسوريا، وفتح الباب أمام حوارات توازن جديدة لا تضع سوريا في خانة الملحق بأي محور، بل كدولة ذات سيادة تسعى لإعادة تموضعها على الخارطة الإقليمية بمسافة متساوية من الجميع.

‏*كيف تنظر دمشق إلى هذا الانفتاح؟ هل هو فرصة لتعزيز مكانتها؟

‏حكومة دمشق الجديدة تنظر إلى الانفتاح العربي على أنه فرصة ثمينة لإعادة التموضع الإقليمي لسوريا بعد سنوات من العزلة والحرب، هذا الانفتاح يقرأ داخل أروقة الحكم كنافذة استراتيجية لاستعادة دور سوريا الطبيعي في محيطها العربي، بعيداً عن حالة الاستقطاب الحاد التي وسمت المرحلة السابقة، وبالنسبة للحكومة الجديدة، فإن هذه العلاقات ليست فقط رمزية أو سياسية، بل يعول عليها في إنعاش الاقتصاد، والمساهمة في إعادة الإعمار، وفتح قنوات دعم لملف عودة اللاجئين، وكلها قضايا ملحة على الطاولة السورية، لكن في الوقت نفسه، ينظر إلى هذا الانفتاح بوعي حذر، فالحكومة المؤقتة تدرك أن بعض الأطراف العربية قد تربط المساعدات أو الانخراط الكامل بإصلاحات داخلية أو إعادة التوازن في علاقات سوريا مع أطراف إقليمية كإيران، وبالمحصلة ترى دمشق الجديدة في هذا الانفتاح فرصة لتعزيز مكانتها كدولة محورية في الإقليم، شرط أن يتم ذلك دون المساس بسيادتها أو فرض أجندات خارجية تعيد إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة.

‏*في ظل سوريا الجديدة، هل هناك دور ايراني في سوريا يثير قلق اسرائيل؟

‏نعم، حتى بعد سقوط النظام السوري، لا يزال الدور الإيراني في سوريا الجديدة يثير قلقاً كبيراً لدى إسرائيل، وإن كان هذا الدور قد تغير شكله وتكتيكاته، فإيران التي كانت ترتكز سابقاً على تحالف وثيق مع النظام، تحاول الآن الحفاظ على مكاسبها الاستراتيجية عبر أدوات غير رسمية، مثل شبكات النفوذ المحلية، والميليشيات، والوجود الاقتصادي والديني، خصوصاً في المناطق الحدودية وفي محيط دمشق، وبالنسبة لإسرائيل، مصدر القلق لم يكن فقط النظام بحد ذاته، بل البنية العسكرية والأمنية التي وفرت لإيران غطاء للتموضع في سوريا،  ومع تحول المشهد السياسي، تخشى تل أبيب أن يعيد الإيرانيون إنتاج نفوذهم ضمن معادلات جديدة، سواء من خلال شراكات مع قوى محلية، أو عبر حضور ثقافي واقتصادي طويل الأمد يصعب استئصاله بسهولة، ورغم أن الحكومة السورية الجديدة قد لا تكون على وفاق كامل مع السياسات الإيرانية، إلا أن ضعف مؤسسات الدولة في مرحلة الانتقال، والانشغال بإعادة الإعمار، قد يتيح لطهران هامش مناورة كافي للحفاظ على بعض مواقعها، لذلك يمكن القول إن إسرائيل ترى في إيران ما بعد النظام تهديداً من نوع مختلف، أقل صخباً، وأكثر اختراقاً ودهاءً، ما قد يجعل المواجهة معها أكثر تعقيداً وعمقاً مما كانت عليه في زمن النظام السابق.

‏*هل يمكن أن تستغل دول إقليمية أو قوى أخرى أي تراجع روسي محتمل لتوسيع نفوذها في سوريا؟

‏بالتأكيد، فبعد سقوط النظام السوري روسيا لازالت موجودة في سوريا حتى الآن، وأي تراجع في النفوذ الروسي نتيجة انشغال موسكو بحرب أوكرانيا وتبعاتها الدولية وسقوط نظام الأسد، تبدو الساحة السورية مفتوحة أمام أطراف إقليمية ودولية لملء الفراغ أو توسيع حضورها، إيران بطبيعة الحال ستكون أول من يسعى لتعزيز وجوده، لتعزيز علاقتها مع الحكومة السورية المؤقتة الجديدة خاصة عبر شبكات نفوذ محلية بنيت خلال سنوات الحرب، تركيا أيضاً تمتلك مصالح مباشرة، لا سيما في الشمال السوري، وقد تحاول فرض وقائع ميدانية جديدة تحت غطاء أمني أو إنساني، كما أن دولاً عربية، خصوصاً الخليجية، قد ترى في هذا التراجع فرصة لإعادة ترتيب التوازن داخل سوريا عبر دعم قوى جديدة معتدلة وقريبة من المزاج العربي، أما القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فقد تسعى لتثبيت مناطق نفوذها، خاصة في الشرق السوري، إما كأداة ضغط على طهران، أو كورقة تفاوض على طاولة التسويات الكبرى، الفراغ الروسي في مرحلة ما بعد النظام لن يبقى بلا بدائل، لكنه سيخلق ساحة تنافس معقدة، وقد يتحول إلى معركة نفوذ ناعم تستثمر فيها الدول أدوات الاقتصاد والإعمار، وحتى الدين والتعليم، لترسيخ حضورها، ما يجعل المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الحكومة السورية الجديدة على تحقيق توازنات دقيقة تمنع الانزلاق إلى تبعية جديدة.

‏*مؤخراً القصف الإسرائيلي لقلب دمشق، هذا التمادي جاء نتيجة عدم وجود قوى دولية عظمى في المنطقة؟

‏القصف الإسرائيلي لدمشق بعد أحداث السويداء ليس مجرد رد عسكري، بل هو مناورة استراتيجية تضع خطوطاً حمراء جديدة تفرضها إسرائيل على الحكومة السورية الجديدة، في الوقت الذي تتطلع فيه دمشق إلى الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار، أدت التوترات المجتمعية وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة إلى إعلان إسرائيل نفسها كحارس أو وسيط في بعض النزاعات المحلية، وهو ما يعقد مهمة الحكومة في ترسيخ هويتها وسيادتها، ولا يمكننا نكران فشل الحكومة في السيطرة على فصائلها التي ارتكبت اغلاطاً كبيرة في السويداء مع وعود زائفة في محاسبتهم كما فعلوا في الساحل السوري، والذي حتى اللحظة لم يتم محاسبة اي شخص، وبالتالي يمكن القول إن القصف الإسرائيلي الأخير لقلب دمشق يعكس حالة فراغ أو ضعف في الردع الدولي، ونتيجة مباشرة لغياب أو انشغال القوى الدولية الكبرى، خاصة روسيا والولايات المتحدة، عن لعب دور فاعل في ضبط التوازنات داخل سوريا.

‏*ختاماً، كيف يمكن للحكومة الانتقالية طمأنة المجتمع الدولي، بما فيه إسرائيل، بأنها لا تمثل تهديداً؟

‏طريق الطمأنة يبدأ من تغيير حقيقي في السلوك السياسي والأمني للحكومة الانتقالية، والالتزام بالشرعية الدولية، وخلق بيئة شفافة تعيد تعريف سوريا كدولة وطنية مستقلة، لا كساحة نفوذ إيراني أو روسي أو تركي أو غيرهما، فيمكن ان تقوم بإعلان سياسة خارجية متوازنة وغير عدائية، مثل إصدار بيان واضح يؤكد التزام الحكومة الجديدة بمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، واعتماد سياسة خارجية قائمة على السلام الإقليمي والتعاون الدولي، دون اصطفافات أيديولوجية حادة، وتقديم ضمانات أمنية عبر قنوات دولية، مثل التعاون مع الأمم المتحدة أو جهات إقليمية موثوقة لتوقيع اتفاقيات أمنية أو ترتيبات تمنع استخدام الأراضي السورية كمنصة لتهديد دول الجوار، خصوصاً إسرائيل والأردن ولبنان وتركيا، وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، مثل تفكيك البنى المرتبطة بالقوى الأجنبية، ودمجها ضمن جيش وطني خاضع لقيادة مدنية شفافة، هذه خطوة مهمة لكسب الثقة الإقليمية والدولية، وضبط الحدود ومنع تهريب السلاح، لفرض رقابة صارمة على الحدود لمنع انتقال الأسلحة والمقاتلين إلى خارج سوريا، خاصة إلى مناطق حساسة كجنوب لبنان أو الجولان، مما يطمئن إسرائيل بأن الخطر العابر للحدود قد انتهى، والانفتاح على المبادرات العربية والدولية للسلام، كالمشاركة النشطة في مبادرات السلام الإقليمية، كالتطبيع العربي، أو دعم مسار حل الدولتين في فلسطين، يعطي صورة عن دولة مسؤولة تتجه نحو الاندماج لا التصعيد.

- Advertisement -

- Advertisement -