لكل السوريين

تراجع سوق الأجهزة الكهربائية في دمشق.. انخفاض الأسعار بلا انتعاش في المبيعات

دمشق/ مرجانة إسماعيل

تشهد أسواق الأجهزة الكهربائية في العاصمة دمشق تحولاً ملحوظاً مع تراجع الأسعار بنسب كبيرة تصل في بعض الأحيان إلى 70% مقارنةً بفترة ما قبل التغيير السياسي الأخير. هذا الانخفاض الكبير في الأسعار جاء نتيجةً لعدة عوامل، أبرزها تحسن سعر صرف الليرة السورية وتخفيف القيود الجمركية على السلع المستوردة، مما أتاح للمحال التجارية عرض منتجاتها بأسعار أكثر تنافسية. ومع ذلك، فإن هذا التحسن في الأسعار لم يترجم إلى انتعاش حقيقي في المبيعات، حيث لا تزال الغالبية العظمى من المواطنين عاجزة عن الاستفادة من هذه التخفيضات بسبب تدهور أوضاعهم المعيشية.

فالأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها السوريون منذ سنوات طويلة جعلت من شراء الأجهزة الكهربائية حلماً بعيد المنال للكثيرين، حتى مع انخفاض أسعارها بشكل كبير. فالمستهلك العادي الذي كان يعاني سابقاً لشراء غسالة بستمئة دولار، أصبح اليوم غير قادر على شرائها حتى بثلاثمئة وخمسين دولاراً، لأن المشكلة الأساسية لم تعد تكمن في سعر الجهاز بقدر ما تكمن في انعدام القدرة الشرائية لدى الأسر السورية. فالمواطن الذي بالكاد يستطيع تأمين احتياجات أسرته الأساسية من غذاء ودواء، لن يفكر في إنفاق مدخراته على أجهزة كهربائية مهما انخفضت أسعارها.

واقع الحال في أسواق دمشق اليوم يعكس مفارقة صارخة، فبينما تعلن المحلات عن تخفيضات كبيرة تصل إلى النصف أو أكثر، نجد أن الزبائن يتجولون بين الأقسام يتأملون العروض دون أن يتمكنوا من الشراء. أحد البائعين في سوق الأجهزة الكهربائية يشرح أن سعر الثلاجة التي كانت تباع بخمسة وعشرين مليون ليرة أصبحت اليوم بعشرة ملايين فقط، لكن هذا الانخفاض الهائل لم يغير من حقيقة أن معظم الزبائن لا يملكون حتى نصف هذا المبلغ. الوضع نفسه ينطبق على شاشات التلفاز والغسالات والأفران، حيث تشهد جميعها انخفاضاً كبيراً في الأسعار دون أن يقابل ذلك زيادة ملموسة في المبيعات.

إضافة إلى مشكلة انعدام القدرة الشرائية، هناك عامل آخر يحد من إقبال الناس على شراء الأجهزة الكهربائية، وهو أزمة الكهرباء المزمنة التي تعاني منها سوريا منذ سنوات. فما فائدة شراء ثلاجة أو غسالة إذا كانت الكهرباء لا تتوفر سوى لبضع ساعات يومياً؟ هذا السؤال يتردد في أذهان الكثير من السوريين الذين يفضلون توجيه مواردهم المحدودة نحو احتياجات أكثر إلحاحاً. بعض المواطنين يذكرون أنهم اضطروا في السنوات الماضية إلى بيع أجهزتهم الكهربائية لتأمين لقمة العيش، والآن ومع انخفاض الأسعار، فإنهم لا يرون جدوى من شرائها مرة أخرى في ظل استمرار انقطاع التيار الكهربائي.

من جهة أخرى، فإن طبيعة الأجهزة المعروضة في الأسواق تلعب دوراً في تباطؤ حركة المبيعات. فمعظم الأجهزة المتوفرة حالياً هي من المنتجات المستوردة التي دخلت البلاد عبر قنوات رسمية بعد تخفيف القيود الجمركية، مما أدى إلى انخفاض أسعارها مقارنةً بالسابق عندما كانت تدخل عبر التهريب. لكن هذه الأجهزة تبقى بعيدة عن متناول الطبقة المتوسطة والفقيرة التي تشكل الغالبية العظمى من المجتمع السوري. كما أن بعض المستهلكين يبدون تخوفاً من جودة هذه الأجهزة ومدى توفر قطع غيارها وخدمات الصيانة لها في المستقبل.

في هذا الإطار، يقترح بعض الخبراء الاقتصاديين حلولاً لتحريك سوق الأجهزة الكهربائية، أبرزها نظام التقسيط الذي يمكن أن يساعد ذوي الدخل المحدود على امتلاك هذه الأجهزة. فبدلاً من دفع المبلغ كاملاً دفعة واحدة، يمكن للمواطن أن يسدد ثمن الجهاز على أقساط شهرية تناسب دخله. هذا النظام معمول به في العديد من الدول وقد أثبت نجاعته في تنشيط الأسواق، لكن تطبيقه في سوريا يواجه تحديات كبيرة أبرزها عدم استقرار الوضع الاقتصادي وعدم ثقة التجار في قدرة الزبائن على الوفاء بالتزاماتهم المالية على المدى الطويل.

أما على صعيد التجار وأصحاب المحال، فإنهم يعيشون حالة من الترقب والحذر. فمن ناحية، يسعدهم انخفاض الأسعار لأنه يمكنهم من عرض منتجات أكثر تنوعاً، لكن من ناحية أخرى فإن ضعف المبيعات يجعلهم عاجزين عن استرداد رؤوس أموالهم وتجديد مخزونهم. بعض التجار يلجأون إلى تخفيض هوامش ربحهم إلى الحد الأدنى أملاً في زيادة المبيعات، بينما يفضل آخرون الانتظار حتى تتحسن الأوضاع الاقتصادية العامة في البلاد.

لذا فإن انخفاض أسعار الأجهزة الكهربائية في دمشق يشكل بادرة إيجابية في مسار التعافي الاقتصادي، لكنه يبقى غير كافٍ لوحده لإنعاش السوق. فما زال الطريق طويلاً أمام عودة القوة الشرائية إلى المستهلك السوري، وهو أمر مرتبط بتحسن الأوضاع الاقتصادية الشاملة في البلاد واستقرار سعر صرف الليرة وتوفر فرص العمل. حتى ذلك الحين، ستظل عروض التخفيضات الكبيرة مجرد لافتات جذابة تعلق على واجهات المحلات، تنتظر زبائن لا يملكون سوى النظر إليها بحسرة وأمل.

- Advertisement -

- Advertisement -