لكل السوريين

العدالة المناخية خطوة أولية في الدفاع عن حقوق الإنسان

إعداد أنعام إبراهيم نيوف

يسعى منهج العدالة المناخية إلى التوفيق بين اعتبارين أحدهما: ضرورة التخفيف والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وثانيًا: الحاجة إلى تغيير الأنظمة الموروثة لاستخراج المواد، ونقلها، وتوزيعها، وتوليد الطاقة، وإنتاج السلع، وتقديم الخدمات، وطرق الاستهلاك، وطرق التخلص منها، والتمويل.

أن العدالة المناخية تعد مزيجًا بين حقوق الإنسان وتغير المناخ، حيث تهدف في المقام الأول إلى حماية حقوق الإنسان التي قد تتأثر من جراء التغيرات المناخية، ولذا فإن العدالة المناخية تعد أفضل وسيلة لتحقيق توزيع عادل في الأعباء والتكاليف بين الدول المتقدمة والصناعية والدول الفقيرة.

وقعت أول قمة للعدالة المناخية في لاهاي. سعت تلك القمة إلى «التأكيد على أن التغير المناخي مسألة حقوق» وإلى «بناء تحالفات عابرة للدول والحدود» ضد التغير المناخي في سبيل النمو المستدام.

يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم عدم المساواة في مجالات الصحة العامة والإسكان واقتصادنا العالمي. الامم المتحدة تنص على “إن آثار تغير المناخ لن يتم تحملها بالتساوي أو بشكل عادل، بين الأغنياء والفقراء، والنساء والرجال، والأجيال الأكبر سنا والأصغر سنا.” تتعامل العدالة المناخية مع تغير المناخ من منظور يركز على الإنسان وتعترف بتداعياته على حقوق الإنسان.

تأتي أهمية هذا المفهوم باعتباره يلزم المجتمع العالمي وبخاصة المسؤولين عن أزمة المناخ للعمل مع المجتمعات التي تدفع الفاتورة الأكبر لهذه الأزمة ودعمها بكل الطرق المتاحة. كما يكتسب هذا المفهوم هذه الأهمية لأنه يعالج مشكلة أكثر شمولية ومنهجية، وهي السبب الأساسي لهذه الأزمة كلها والكثير من المشاكل المرتبطة بها.

وفي وقت لا يزال العالم بأسره، وتحديدا منطقتنا، تعاني من وطأة الأزمات المتفاقمة الناجمة عن النزاعات والأوبئة والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية والمناخية المدمرة، وبينما نشهد تراجعا قياسيا لظروف المعيشة.

يحتاج تحقيق العدالة المناخية والاجتماعية، إلى إيجاد حلول لمختلف أشكال الظلم التاريخية التي ساهمت في أزمة المناخ وتشكل تهديدا وجوديا، إلى جانب تمكين المجتمعات المحلية للمشاركة في عمليات صنع القرار المتعلقة بالمناخ والتنمية.

لتحقيق كل ذلك يتطلب الاعتراف بأن الدول والصناعات الملوثة التاريخية هي المسؤولة عن الأزمة التي يواجهها العالم، وأن بلدان الجنوب العالمي التي كانت أقل مسؤولية عن الانبعاثات، هي الأكثر تضررا الآن من تأثيرات تغير المناخ وآثاره.

بالتالي إن تحقيق العدالة المناخية يبدأ بمحاسبة الدول الغنية والشركات الملوثة، أي المتسببين التاريخيين للانبعاثات وإلزامهم بدفع الثمن وتعويض الخسائر الناجمة عن تغير المناخ، بالإضافة إلى دعم البلدان منخفضة الدخل للتكيف وزيادة قدرتها على الصمود أمام تأثيرات تغير المناخ عبر نقل المعرفة.

إذا لا يمكن بناء عالم مستدام وقادر على تحقيق العدالة الاجتماعية والمناخية المنشودة، إلا عبر اعتماد نموذج اقتصادي بديل يضع الناس والاستدامة كأولوية على الربح والاستخراج الجشع للموارد.

تتقاطع الفوارق الاقتصادية بشكل كبير مع تغير المناخ، ما يؤثر في الوظائف والدخل والوصول إلى الموارد، فغالبا ما يعمل السكان خاصة في المجتمعات ذات الدخل المنخفض، في قطاعات شديدة الحساسية لتغير المناخ، مثل الزراعة وصيد الأسماك والعمل اليدوي، ومن المرجح أن تتأثر هذه الوظائف بتغير أنماط الطقس، والظواهر الجوية المتطرفة، والتدهور البيئي.

وتهدف العدالة المناخية إلى تمكين المجتمعات المحلية من تطوير وتنفيذ الحلول المناخية في صورة مبادرات اجتماعية واقتصادية، هذا يتطلب اتباع نهج شامل يعالج نقاط الضعف للمجتمعات المحرومة مع تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة وتعزيز الممارسات المستدامة على نطاق عالمي.

تعتبر قضية تغير المناخ، قضية أمنية تتطلب حلولا سياسية مع الحلول العلمية، وذلك من خلال التركيز على كيفية ربط أسباب تغير المناخ وآثاره بالعدالة البيئية والاجتماعية، لذلك ترتبط قضية تغير المناخ ارتباطاً وثيقا بقضايا حقوق الإنسان، نظراً لما لها من تداعيات عميقة الأثر على رفاهية البشر وعلى التمتع الفعلي بحقوق الإنسان وعلى العدالة الاجتماعية. ومن ثم، ضرورة إعمال حقوق الإنسان وقيمها كإطار لتوجيه السياسات الوطنية والدولية المعنية بالتصدي لظاهرة تغير المناخ، وبحيث يتم توزيع أعباء وفوائد تغير المناخ وتكاليف مواجهته والتخفيف من آثاره على الأفراد والجماعات والدول والأجيال بالعدل والإنصاف احتراماً وحمايةً لقيم حقوق الإنسان، وقد أقر مجلس حقوق الإنسان الدولي بأن تغير المناخ يؤثر تأثيراً كبيراً على التمتع الكامل بحقوق الإنسان. وأوضح المجلس أن تأثير تغير المناخ يشكل تهديداً فورياً وبعيد المدى للشعوب والمجتمعات في جميع أنحاء العالم. وتغير المناخ يهدد حقوق الإنسان مثل الحق في الحياة وفي المياه وفي الغذاء وفي الصحة والسكن اللائق، وهذا هو أهمية اتباع منظور خاص بحقوق الإنسان عند بحث إجراءات التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه.

المصادر والمراجع

العدالة المناخية- عبد المسيح سمعان عبد المسيح.

العدالة المناخية والعواقب الجيوبوليتکية – عباس غالي الحديثي.

تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بشأن العلاقة بين تغير المناخ وحقوق الإنسان، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العاشرة، 2009.