السوري ـ دمشق
لم تكن العبوتان الناسفتان اللتان انفجرتا في قلب العاصمة دمشق مجرد حادث أمني عابر، بل أعادتا إلى الواجهة سؤالًا ظل حاضرًا منذ إعلان هزيمة تنظيم «داعش» عسكريًا: هل انتهى التنظيم فعلاً، أم أنه غيّر أسلوبه فقط؟
جاءت التفجيرات في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع زيارة رسمية رفيعة المستوى إلى دمشق، الأمر الذي منح العملية أبعادًا سياسية وأمنية تجاوزت حجمها الميداني. وبينما سارعت الأجهزة الأمنية إلى الإعلان عن تفكيك الخلية المسؤولة خلال فترة قصيرة، بقيت الأسئلة قائمة حول قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات داخل العاصمة، وحول مدى جاهزية المنظومة الأمنية لمواجهة تهديد لم يعد يشبه ما كان عليه قبل سنوات.
تهديد يتغير… ولا يختفي
يرى مختصون في الشأن الأمني أن تنظيم «داعش» لم يعد يمتلك القدرة العسكرية التي خوّلته سابقًا السيطرة على مدن واسعة أو إدارة مناطق نفوذ، إلا أنه ما زال يحتفظ بقدرة على تنفيذ عمليات نوعية عبر خلايا صغيرة تعتمد السرية والتخفي، مستفيدة من أي ثغرات أمنية أو ظروف استثنائية.
ويؤكد خبراء أن التنظيم انتقل خلال السنوات الأخيرة من استراتيجية السيطرة المكانية إلى استراتيجية “الاستنزاف”، وهي سياسة تقوم على تنفيذ هجمات متفرقة تهدف إلى استنزاف القدرات الأمنية، وإبقاء الشعور بعدم الاستقرار حاضرًا، حتى وإن كانت الخسائر البشرية محدودة.
هل يشكل التفجير اختراقًا أمنيًا؟
يختلف المختصون في توصيف ما حدث. فبينما يرى بعضهم أن مجرد وقوع التفجير داخل العاصمة يستدعي مراجعة أمنية شاملة، يعتبر آخرون أن نجاح الأجهزة الأمنية في كشف المنفذين خلال فترة قصيرة يعكس امتلاكها قدرات استخباراتية متقدمة حالت دون توسع التهديد.
ويشير محللون إلى أن تقييم الأداء الأمني لا يقاس بمنع جميع الهجمات بصورة مطلقة، وهو أمر يصعب تحقيقه حتى في أكثر الدول استقرارًا، وإنما بقدرة المؤسسات الأمنية على اكتشاف الشبكات الإرهابية، وتقليص قدرتها على تنفيذ عمليات متكررة، ومنع تحولها إلى بنية تنظيمية واسعة.
لماذا اختار التنظيم هذا التوقيت؟
يرى باحثون أن الجماعات المتطرفة غالبًا ما تربط عملياتها بأحداث تحظى باهتمام سياسي أو إعلامي، بهدف مضاعفة الأثر النفسي والسياسي للهجوم.
فالتنظيم يدرك أن تنفيذ عملية محدودة خلال مناسبة رسمية كبرى يمنحه حضورًا إعلاميًا يتجاوز بكثير حجم العملية نفسها، ويعيد اسمه إلى واجهة الأخبار الدولية، وهو ما يشكل جزءًا أساسيًا من استراتيجيته الدعائية.
خلايا نائمة… أم إعادة تنظيم؟
تشير التقديرات الأمنية إلى أن «داعش» لا يملك اليوم حاضنة اجتماعية أو سيطرة جغرافية تمكنه من إعادة إنتاج تجربة “الدولة” التي أعلنها قبل سنوات، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء خطره.
فالخطر الحقيقي، بحسب مختصين، يتمثل في الخلايا الصغيرة التي يصعب رصدها مبكرًا، والتي تعتمد على أفراد محدودي العدد، يمتلكون قدرة على الحركة بسرية، وينفذون عمليات منخفضة الكلفة لكنها مرتفعة التأثير إعلاميًا وأمنيًا.
معركة الاستخبارات
شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في أساليب مكافحة الإرهاب داخل سوريا، من خلال توسيع الاعتماد على العمل الاستخباراتي، وتحليل البيانات، ومراقبة الاتصالات، والتنسيق مع أجهزة أمنية في دول المنطقة.
ويرى خبراء أن هذه الأدوات ساهمت في تقليص مساحة تحرك التنظيم، وجعلت تنفيذ أي عملية يتطلب جهدًا أكبر ومخاطرة أعلى، إلا أن القضاء الكامل على الخلايا المتبقية ما زال يمثل تحديًا طويل الأمد.
الأمن وحده لا يكفي
يحذر باحثون من أن المعالجة الأمنية، رغم أهميتها، لا تكفي بمفردها لإنهاء خطر التنظيمات المتطرفة.
فالتجارب السابقة تشير إلى أن استمرار الأزمات الاقتصادية، وضعف فرص العمل، وتراجع الخدمات، وغياب التنمية في بعض المناطق، كلها عوامل يمكن أن تستغلها التنظيمات المتشددة لاستقطاب عناصر جديدة أو إعادة تنشيط شبكاتها.
ومن هنا، يرى مختصون أن بناء منظومة أمنية مستقرة يتطلب توازي الإجراءات الأمنية مع سياسات اقتصادية واجتماعية تعزز الاستقرار وتحد من بيئات التطرف.
ما الذي ينتظر سوريا؟
رغم أن حجم نشاط «داعش» اليوم لا يقارن بما كان عليه قبل أعوام، فإن معظم التقديرات تتفق على أن التنظيم لم ينتهِ، بل أعاد تشكيل نفسه بما يتناسب مع الظروف الجديدة.
ويبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون مواجهة مع تنظيم يسيطر على الأرض، بقدر ما ستكون مواجهة مع خلايا متنقلة، تعتمد على السرية والمباغتة، وتحاول استغلال أي ثغرة لإثبات وجودها.
وبين نجاح الأجهزة الأمنية في إحباط كثير من المخططات، واستمرار قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات متفرقة، تبقى المعركة ضد الإرهاب معركة طويلة، لا تحسمها عملية واحدة، ولا ينهيها اعتقال خلية واحدة، بل تتطلب عملاً استخباراتيًا مستمرًا، وتعاونًا إقليميًا، ورؤية شاملة تعالج الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في آن واحد.