يشكل إعلان السلطات السورية إنشاء “الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية” واحدة من أبرز الخطوات في مشروع إعادة بناء المؤسسة العسكرية بعد سنوات من الحرب والانقسام. لكن بعيداً عن المرسوم الرئاسي وما يحمله من طموحات أكاديمية وتنظيمية، يبرز سؤال أكبر يفرض نفسه على السوريين: هل سيكون هذا المشروع بداية لجيش وطني جامع يخدم جميع أبناء البلاد، أم أنه سيصطدم بتعقيدات المرحلة الانتقالية والإرث الثقيل الذي خلفه الصراع؟
يرى متابعون أن تأسيس جامعة عسكرية متخصصة لا يقتصر على إنشاء مؤسسة تعليمية، بل يعكس توجهاً لإعادة صياغة هوية الجيش السوري، من خلال إعداد الضباط وفق مناهج أكاديمية حديثة، تعتمد على الكفاءة والانضباط والتأهيل العلمي، في محاولة للانتقال من واقع التشكيلات المسلحة المتعددة إلى مؤسسة عسكرية مركزية.
غير أن نجاح أي مشروع لإعادة بناء الجيش لا يقاس بالمباني أو المناهج وحدها، وإنما بقدرته على إنتاج مؤسسة تحظى بثقة السوريين، وتقوم على مبدأ المواطنة، بعيداً عن الانتماءات الفصائلية أو السياسية أو الأيديولوجية التي طبعت سنوات الحرب.
ويواجه المشروع تحديات معقدة، في مقدمتها دمج آلاف المقاتلين المنتمين إلى تشكيلات مختلفة، بعضها يمتلك عقائد قتالية وتنظيمية متباينة، إضافة إلى ضرورة وضع معايير موحدة للانتساب والترقية والمساءلة العسكرية، بما يضمن تكافؤ الفرص داخل المؤسسة الجديدة.
ويطرح مراقبون تساؤلات حول طبيعة العقيدة العسكرية التي ستتبناها المؤسسة الجديدة. فهل سيكون هدفها الأساسي حماية الدولة والدستور والحدود، أم أن إعادة صياغة العقيدة ستتطلب توافقاً وطنياً أوسع يحدد دور الجيش في سوريا الجديدة، وعلاقته بالمجتمع والسلطة المدنية؟
كما يثير المشروع تساؤلات تتعلق بآليات اختيار الضباط والطلاب، ومدى اعتماد معايير مهنية شفافة بعيداً عن الولاءات، فضلاً عن طبيعة المناهج التي ستُدرَّس، ومدى توافقها مع المعايير العسكرية الحديثة وحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وهي عناصر أصبحت جزءاً أساسياً من برامج التعليم العسكري في العديد من دول العالم.
اقتصادياً، قد يسهم بناء مؤسسة عسكرية مستقرة في تعزيز الاستقرار الأمني، وهو ما يعد من أهم الشروط التي يبحث عنها المستثمرون والجهات الدولية الراغبة بالمشاركة في إعادة الإعمار. وفي المقابل، فإن أي تعثر في عملية إعادة الهيكلة قد ينعكس على المشهد الأمني ويؤخر جهود التعافي الاقتصادي.
ويرى مختصون أن نجاح التجربة لن يتوقف على إنشاء الجامعة بحد ذاته، بل على قدرتها في أن تكون جزءاً من مشروع وطني شامل لإصلاح القطاع الأمني، يضمن خضوع المؤسسة العسكرية للقانون، ويعزز الرقابة المؤسسية، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الجيش والدولة والمجتمع.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول “الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية” إلى نقطة انطلاق نحو بناء جيش مهني يمثل جميع السوريين، أم ستظل خطوة تنظيمية محدودة التأثير إذا لم ترافقها إصلاحات سياسية ومؤسسية أوسع؟
الإجابة لن يقدمها المرسوم الرئاسي وحده، بل ستكشفها طريقة تنفيذ المشروع، ومدى قدرته على بناء مؤسسة عسكرية حديثة تستند إلى المهنية والكفاءة والشفافية، وتضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر. فنجاح الجيش الجديد لن يقاس بعدد الكليات التي يضمها، بل بمدى شعور السوريين بأن هذه المؤسسة أصبحت جيشاً للوطن بكل مكوناته، لا لطرف أو مرحلة بعينها.