لكل السوريين

البالة في مدن طرطوس ملجأ للفقراء أمام تحديات الغلاء

طرطوس/ اـ ن

ما تزال أسواق الألبسة المستعملة، المعروفة محلياً باسم “البالة”، تشكّل ملجأً أساسياً للفقراء وأصحاب الدخل المحدود في مدن وقرى وريف طرطوس، هروباً من الأسعار المرتفعة للألبسة الجاهزة الجديدة في الأسواق المحلية.

ومع عاصفة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية التي تتصاعد بوتيرة متسارعة، لم تعد هذه الأسواق مجرد بديل مؤقت، بل تحولت إلى الخيار الوحيد لمعظم المواطنين من مختلف الطبقات الاجتماعية.

ويقبل المواطنون على شراء الألبسة المستعملة لما توفره من قطع ذات جودة أعلى وماركات عالمية معروفة، بما يُعرف شعبياً بـ”اللقطة”، وبأسعار تُعد مقبولة نسبياً مقارنة بالألبسة الجديدة، إضافة إلى أن كثيراً من هذه القطع يصمد لفترات أطول مقارنة ببعض المنتجات الوطنية مرتفعة الثمن والأقل جودة أحياناً، وتنتشر هذه الأسواق اليوم بشكل واسع في طرطوس وريفها ومدنها، وسط إقبال متزايد يوماً بعد يوم.

وتجدر الإشارة إلى أن تجارة البالة كانت شبه ممنوعة خلال فترة حكم النظام، وكانت بضائعها تدخل بطرق غير رسمية عبر التهريب، إلا أن الواقع اليوم لم يشهد تغييراً يُذكر، بل ازداد انتشارها وتعددت مصادرها في ظل غياب أي تنظيم قانوني واضح، ما أوجد فراغاً تشريعياً سمح بحالات استغلال وتلاعب، وسياسات متأرجحة بين المنع والتساهل، دون حسيب أو رقيب.

وفي مقابل ذلك، باتت أسعار الألبسة الجديدة، التي يُسعّر بعضها بالدولار، تفوق قدرة المواطن المادية، ما يدفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته المعيشية، لتصبح محال الألبسة المستعملة والبسطات المنتشرة في كل مكان مقصداً للفقير وميسور الحال على حد سواء.

ومع هذا الواقع، تلاشت إلى حد كبير النظرة السلبية أو المحرجة التي كانت ترافق شراء البالة في السابق، إذ أصبحت خياراً اجتماعياً واسع الانتشار، فعلى سبيل المثال، يتراوح سعر الجاكيت المستعمل بين 100 و150 ألف ليرة سورية في أفضل الأحوال، في حين وصل سعر الجاكيت الجديد إلى نحو 700 ألف ليرة سورية.

غير أن هذا الإقبال الواسع لسد الحاجة لم يسلم من جشع بعض الباعة واستغلالهم، حيث تشهد الأسواق تلاعباً بالأسعار وفق معادلة الجودة والمصدر ومرونة البائع، سواء كانت القطعة معروضة على بسطة متواضعة أو ضمن واجهات محال تجارية.

ويبرز ذلك بشكل خاص في ما يُعرف بالقطع النادرة ذات الماركات العالمية الشهيرة، التي تُسوّق تحت مسميات مثل “ألبسة أوروبية نظيفة”، في سوق مفتوح بلا ضوابط.

وتدخل هذه الألبسة، التي تنتقل من الحاويات المغلقة إلى أرفف المحال، عبر التهريب دون أي رقابة صحية أو إجراءات فحص وتعقيم تضمن السلامة العامة، وهو ما حذرت منه منظمة “الصحة للجميع”، التي أشارت إلى مخاطر انتشار أمراض جلدية أو حالات تحسس نتيجة استخدام الألبسة المستعملة غير المفحوصة.

وفي بعدٍ اقتصادي أوسع، أسهم انتشار البالة في ترسيخ نمط استهلاكي يعتمد على البقايا الأجنبية الرخيصة، ما يعرقل أي محاولة لإحياء الهوية الإنتاجية المحلية. وتُعد هذه التجارة منافسة غير عادلة للصناعة الوطنية، خاصة في ظل إغلاق أكثر من 40% من معامل النسيج الصغيرة والمتوسطة خلال سنوات الحرب، في حين يعمل ما تبقى منها بأقل من طاقته الإنتاجية.

وقد كان ذلك سبباً رئيسياً لغزو البالة للأسواق، حيث تُباع بأسعار أقل من كلفة الإنتاج المحلي، نظراً لأن التاجر لا يتحمل رسوماً جمركية ولا تكاليف مواد أولية، ما يخلق منافسة مشوهة تُقصي المنتج الوطني.

ويضاف إلى ذلك تأثير سياسات الأجور المجحفة وارتفاع الأسعار الجنوني، التي فاقمت الأوضاع المعيشية، وحولت الألبسة المستعملة من بديل مؤقت إلى خيار دائم.

ورغم أن التعليمات الرسمية كانت وما زالت تمنع استيراد البالة لأسباب تتعلق بالصحة العامة وجهالة المصدر، إضافة إلى اعتبارها أسلوباً إقصائياً للصناعة الوطنية، إلا أن هذه التعليمات لم توقف الظاهرة، بل دفعتها إلى قنوات التهريب، وعلى مدى عقود، ظلت أسواق البالة معروفة وموجودة رغم مخالفتها للقوانين، وعملت وما زالت تعمل وفق سياسة الأمر الواقع وغضّ النظر الحكومي، تحت ذريعة تلبية حاجات الفقراء.

ويرى متابعون أن هذا الواقع يطرح تساؤلات حول وجود مستفيدين من هذه التغطية شبه الرسمية، متسائلين عن أسباب عدم قوننة هذه التجارة حتى اليوم، رغم الإقرار الضمني بخدماتها وصعوبة تجاهل دورها.

ويؤكد هؤلاء أن الحل لا يكمن في المنع الذي أثبت فشله، ولا في التساهل والفوضى التي تغذي الفساد، بل في تنظيم هذا النشاط التجاري عبر تشريعه وفق قيود وشروط واضحة، خاصة تلك المتعلقة بالصحة العامة، وتحديد مصادر البضائع، ومراقبة تجهيزها وتعقيمها وتغليفها في بلد المصدر كشرط للسماح باستيرادها رسمياً.

كما يدعون إلى فرض الرسوم الجمركية والضرائب اللازمة، واعتماد رقابة صارمة على التسعير وفق الكلفة والجودة، مع تحديد سقف للربح للحد من جشع المستغلين، بما يحقق حماية المستهلك، ويضمن السلامة العامة، ويؤمن في الوقت نفسه إيرادات الخزينة، دون الإضرار بالفئات الأكثر فقراً.

- Advertisement -

- Advertisement -