دمشق/ مرجانة اسماعيل
تشهد الأسواق في دمشق والعاصمة السورية والمناطق المحيطة بها، ارتفاعاً مستمراً في أسعار سوق زيت الزيتون، حتى بات هذا العنصر الغذائي الأساسي يُعد رفاهيةً يتعذر على كثير من العائلات العادية شراؤها بكميات كافيةً، مما أثار قلق المستهلكين والباعة على حدٍّ سواءً.
في الأسواق المحلية، تجاوز سعر تنكة زيت الزيتون (16 لتراً) مستويات قياسيةً، حيث وصل في بعض المناطق إلى نحو 90 – 100 دولار أمريكي تقريباً في السوق المحلية بسبب عدة عوامل اقتصاديةً وزراعيةً، وهو ما يعادل أضعاف القوة الشرائية لغالبية السكان.
الأسباب وراء هذه الزيادة تبدو مركبةً، إذ أن انخفاض إنتاج الموسم الأخير من الزيتون بسبب ظروف مناخية صعبة جعل الكميات المتاحة في السوق أقلّ من الطلب بكثيرٍ، مما تسبب في رفع الأسعار. كما أن عمليات تهريب وتصدير الزيت إلى دول مجاورة بأسعار أعلى ساهمت في نضوب الكميات في الأسواق المحلية وارتفاع الأسعار بشكل يصعب على المستهلك العادي تحمله.
في دمشق، أحد الأسر المكونة من ستة أفراد أشار إلى أن ارتفاع سعر الزيت جعله يضطر لشراء كميات قليلة للغاية مقارنةً بما كان يعتاد عليه في الأعوام السابقة. يقول: «كنتُ أشتري تنكة زيت الزيتون كل موسم لأغطي بها احتياجات العائلة طوال العام، لكن الآن لا أستطيع سوى شراء نصف الكمية التي أحتاجها»، هذه القصة تعكس واقعاً يعيشه الآلاف من الأسر السورية التي تواجه تراجعاً في الدخول وارتفاعاً في تكاليف الحياة.
من ناحيةٍ أخرى، إحدى ربّات المنزل تشكو من تدهور جودة بعض المنتجات المعروضة في الأسواق، إذ تقول: «الناس اليوم تبحث عن أرخص زيت ممكن حتى لو كانت جودته أقلّ، لأن الأسعار أصبحت خارج الحسابات الطبيعية للاستهلاك المنزلي»، وتضيف أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى الاعتماد على زيوت بديلة أقلّ جودةً في الطبخ والحياة اليومية، مما أثر على عادات الاستهلاك الغذائي.
هذا الارتفاع في الأسعار لا يقتصر تأثيره على المستهلك فقط، بل يشمل أيضاً الفلاحين والمنتجين الأصغر الذين يعتمدون على بيع الزيت للحصول على دخل يكفيهم لسدّ احتياجاتهم. ففي ريف أحد المناطق الزراعية القريبة من دمشق، أحد المزارعين قال: «الإنتاج هذا العام أقلّ من المعتاد، وكثير من الزيت تُباع في السوق السوداء أو تُهرّب إلى خارج البلاد مقابل عملة صعبةٍ، مما يقلل من الكمية المتوفرة للسوق المحلي ويرفع السعر بصورةٍ غير منطقيةٍ.»
التجار في دمشق يؤكدون أن الزيادة في السعر جاءت نتيجة عوامل متعددة تشمل ارتفاع تكاليف النقل، انخفاض الإنتاج، وتراجع القدرة الشرائية للمستهلك، إضافةً إلى المضاربات التجارية التي يجعلها البعض في السوق وسيلةً لتحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين. أحد بائعي التجزئة في سوق شعبي قال: «نشتري التنكة من الجملة بسعر مرتفع، ولا يمكننا بيعه بسعر أقلّ لأننا سنخسر، لكن في الوقت نفسه، تجد المستهلك يشتكي من السعر ولا يشتري إلا قدر قليلٍ.»
بعض الخبراء الاقتصاديين في دمشق يشيرون إلى أن تراجع قيمة الليرة السورية وتأثير التضخم الشامل على الاقتصاد المحلي لعب دوراً أساسياً في رفع أسعار السلع الأساسية مثل زيت الزيتون، حيث ترتفع تكلفة الإنتاج والنقل والتجارة بما يتناسب مع التدهور الاقتصادي العام، ما يجعل الأسعار في ارتفاعٍ مستمرٍ يفوق قدرة الغالبية العظمى من السكان على التكيف معها.
من جانب المستهلكين، الحلول قصيرة الأمد التي تُطرح في الأسواق، مثل استيراد زيوت بديلة أو فتح باب الاستيراد من الخارج، قد تخفف من حدة المشكلة مؤقتاً، لكنها لا تعالج الأسباب البنيوية التي أدّت إلى هذا الارتفاع الكبير. بينما يرى آخرون أن تعزيز الإنتاج المحلي وتشجيع الفلاحين على زيادة مساحات الزراعة وتحسين أساليب الحصاد والعصر قد يساهم في زيادة المعروض وبالتالي خفض الأسعار، لكن هذا لا يمكن أن يحدث بين ليلةٍ وضحاها.
في الأرياف المحيطة بدمشق، إحدى العائلات التي تعيش على دخلٍ محدودٍ من الزراعة والمواشي اعتادت أن تعصر زيت الزيتون سنوياً لتغطية احتياجاتها. تقول العائلة: «في الماضي، كان لدينا مخزون يكفي العام كله، لكن هذه السنة لم تسعفنا الأشجار، وكثير من الإنتاج تُباع في سوقٍ غير رسميٍ بسعرٍ أغلى مما نستطيع تحمله».
تداعيات هذا الارتفاع في سعر زيت الزيتون وصلت أيضاً إلى المطاعم والمقاهي في دمشق، حيث بات أصحاب المطاعم يطالبون الزبائن بدفع تكلفة إضافية أو استبدال زيت الزيتون بزيوت نباتية أقلّ تكلفةً في بعض الأطباق، ما أثار جدلاً بين الزبائن الذين يشعرون بفقدان جودة الأطعمة التي اعتادوا عليها.
ويبقى ارتفاع سعر زيت الزيتون في دمشق تحدياً اقتصادياً واجتماعياً يعكس الواقع المعاش للعديد من السوريين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجه البلاد، ويستمر تأثيره على الأسرة والمزارع والتاجر على حدٍّ سواءً، مما يستدعي إيجاد حلول متوازنة بين سياسات الدعم، وتشجيع الإنتاج، والتحكم في المضاربات التجارية لضمان عودة هذا المنتج الغذائي المهم في متناول غالبية السكان.