في المشهد السوري الراهن، تتقاطع مخاطر السلاح المنفلت مع مخاطر الخطاب التحريضي في معادلة واحدة تنتج العنف وتغذيه بوسائل مختلفة.
فكما تؤدي الرصاصة الطائشة إلى إزهاق الأرواح بشكل مباشر، يفضي الخطاب المحرّض، سواء كان مسموعاً أو منشوراً، إلى تقويض الثقة بين مكونات المجتمع وتهيئة الأرضية لموجات من الانتقام والصراع. ويجمع بين الظاهرتين عامل مشترك يتمثل في ضعف ضبط السلاح بين الأهالي، وانتشار خطاب غير منضبط أخلاقياً ومهنياً، إلى جانب غياب ردع قانوني فعّال قادر على كبح هذا المسار المتصاعد.
وعلى مدى أكثر من عقد ونصف من النزاع، شهدت سوريا تسرباً واسعاً للأسلحة الصغيرة والخفيفة، لتصبح في حيازة مجموعات مسلحة ومواطنين عاديين على حد سواء. وتشير تقديرات محللين وتقارير متخصصة إلى أن عشرات آلاف القطع من الأسلحة باتت منتشرة بين فاعلين متعددين، ما جعل وجود السلاح في الشارع أمراً اعتيادياً في مناطق واسعة، ورفع احتمالات اندلاع العنف عند أي احتكاك اجتماعي أو خلاف فردي.
ولم يعد هذا الواقع محصوراً في ساحات المواجهات المسلحة، بل امتد إلى النزاعات الشخصية وحوادث الانتقام والجرائم اليومية، ما زاد من هشاشة الوضع الأمني.
بالتوازي مع ذلك، برزت خلال الأخيرة الأخيرة موجة من الخطاب التحريضي، مدفوعة بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وعودة خطاب طائفي ومناطقي بعد سنوات من الحرب.
وصدرت منشورات ومقاطع ومواد إعلامية، بعضها عبر منصات محلية، عن أفراد وجهات تفتقر إلى الضوابط الأخلاقية والمهنية.
ولا يقتصر هذا الخطاب على تبادل الشتائم أو الاتهامات، بل يتضمن في كثير من الحالات دعوات صريحة أو مبطنة إلى العنف وتصعيد الصراع بين مكونات المجتمع، ما يحوّله من مجرد كلام إلى عنصر فاعل في إشعال النزاعات على الأرض.
وقد وثّقت جهات رصد محلية وأبحاث حقوقية ارتفاعاً ملحوظاً في هذا النوع من الخطاب خلال فترات تفجّر التوترات المحلية.
وعلى الصعيد القانوني، تبدو الصورة ضبابية. فرغم أن القوانين الجزائية السورية تتضمن مواد تجرّم التحريض على الفتنة والأعمال التي تهدد الأمن أو تروّج للخطاب الطائفي، إلا أن تطبيق هذه النصوص يظل محدوداً وضعيفاً، خاصة عندما يكون الفاعلون أفراداً متعددين أو جهات إعلامية مختلفة، وليسوا تنظيمات مسلحة أو كيانات محظورة.
ويبرز في هذا السياق فراغ فعلي في تعريف وتطبيق القوانين المتعلقة بتجريم الخطاب المحرّض على العنف أو التمييز أو الطائفية، في ظل غياب معايير واضحة وضمانات حقوقية توازن بين مكافحة التحريض وحماية حرية التعبير بما يتوافق مع الالتزامات الدولية.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن التفاعل بين السلاح المنفلت والخطاب المنفلت أفرز نتائج خطيرة باتت ملموسة على الأرض، من موجات عنف محلية وتصاعد مواجهات ذات طابع طائفي، إلى حوادث انتقام أودت بحياة أسر كاملة، فضلاً عن تنامي ظاهرة الثأر في عدد من المحافظات.
وتؤكد هذه الوقائع أن خطاب التحريض لا يبقى في حدود الكلام، بل يتحول إلى أفعال عندما تتوفر أدوات التنفيذ. كما رصدت تقارير أممية وإقليمية هجمات وجرائم أسفرت عن سقوط مدنيين، في سياقات ارتبطت بتصاعد خطاب التحريض ضمن صراعات محلية وإقليمية.
ويرى متابعون أن المساواة بين خطورة السلاح المنفلت وخطورة الخطاب المنفلت لا تنطوي على مبالغة، بل تعكس واقعاً يومياً يعيشه السوريون، حيث يفتك السلاح بالأجساد، فيما يوفر الخطاب غير المحاسَب المبررات والدوافع لمزيد من العنف.
ويؤكد هؤلاء أن مواجهة هذا التحدي تتطلب مقاربة شاملة تقوم على سن قوانين واضحة، وتفعيل آليات إنفاذ ومحاسبة فعالة، إلى جانب إصلاحات اجتماعية ومهنية عميقة، محذرين من أن غياب هذه الخطوات سيبقي الشارع السوري عرضة لاشتعال متكرر لا يرحم ولا يترك مجالاً للاستقرار أو السلم الأهلي.