لكل السوريين

انتعاش سوق عمالة البناء مع الإقبال على الإعمار في درعا

درعا/ رجاء مختار

بدأ سوق عمالة البناء في درعا جنوبي سوريا يشهد انتعاشاً ملحوظاً مع تصاعد حركة الإعمار بعد سنوات من الدمار الذي خلّفته الحرب الطويلة التي عصفّت بالبلاد. إعادة بناء المنازل، المدارس، والمرافق العامة ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل أصبحت نبض حياة جديدة في أحياء كثيرة كانت تبدو كأنها تجسّد قصصاً متجمدة من الخراب.

يتداخل هذا الانتعاش في سوق عمالة البناء مع رغبة الأهالي في العودة إلى حياة طبيعية بعد نزوح طويل، ومع تحدّيات اقتصادية يومية تعصف بالليرة السورية وأسعار مواد البناء المرتفعة.

في حي الحراك على أطراف مدينة درعا، يقف مختار وهو عامل بناء في منتصف الأربعين من عمره ينفّخ رمقه في فنجان قهوة أمام موقع بناء عائد من الركام. قال مختار بصوتٍ يختلط فيه التعب والأمل: “قبل بضعة أشهر، لم يكن هناك شيء اسمه عمل منتظم. كنا نكسب من بعض الحالات عند أصحاب البيوت الصغيرة. الآن عندنا عقود يومية، والعمل لا يكاد يتوقف، لأن الناس يريدون إعادة أبنية أسرهم، وفي نفس الوقت المقاولون يريدون الوفاء بالمواعيد.” هذا الانتعاش ليس مجرد ارتفاع مؤقت في الطلب على اليد العاملة، بل تحول حقيقي في أسلوب عمل الرجال الذين أفرّتهم النزوح وأرغمهم على الهجرة لسنوات.

بالرغم من هذا الانتعاش في العمالة، لا يزال سوق البناء في درعا يواجه عقبات حقيقية مرتبطة بتكاليف مواد البناء التي تشهد ارتفاعاً كبيراً، إذ يؤثر ارتفاع سعر الصرف وتكلفة النقل والطاقة بشكل مباشر على تكلفة المشاريع وأجور العمال كذلك. فمواد مثل الحديد والأسمنت والوقود أصبحت عبئاً ثقيلاً على كاهل الأسر التي تريد تشييد مبانٍ جديدة أو ترميم منازلها المتضررة. ارتفاع الأسعار هذا أعاق في بعض الأحيان عمليات الترميم الفردية بالرغم من الرغبة الكبيرة لدى السكان في البناء.

في قرية المزيريب، يعمل سعيد، وهو شاب في أوائل الثلاثينات من عمره، كعامل بناء في مجال صب الخرسانة وتجهيز القوالب، ويقول: “قبل أشهر كنت أعمل من حين لآخر، أما الآن فأنا جزء من فريق دائم في عدة مشاريع. أشعر أن حياتي أصبحت أكثر استقراراً، والأمل في مستقبل أفضل أصبح موجوداً”، قصص مثل سعيد تُظهر كيف أن سوق البناء لا يعيد فقط تشكيل الأماكن البنائية، بل يعيد تشكيل العلاقات الأسرية والاقتصادية داخل المجتمع المحلي.

لا يمكن الحديث عن عمالة البناء في درعا دون الإشارة إلى التحديات المرتبطة بالاستقرار المالي والاقتصادي. في موقع بناء كبير في حي درعا البلد، يتحدث عمر، مهندس الموقع، عن التوازي بين ارتفاع الطلب على العمالة وبين صعوبة تأمين المواد الأساسية بأسعار ثابتة: “المطلوب إنجاز المشروع بسرعة، ولكن تختلف أسعار المواد من يوم لآخر مما يخلق نوعاً من عدم الاستقرار في الميزانية”، ومع ذلك فإن المقاولين يجدون أنفسهم مضطرين إلى تشغيل أعداد أكبر من العمال لتلبية الطلب المتزايد، ما يخلق فرصة دائمة للتوظيف وإنعاش السوق المحلية.

في الوقت ذاته، يبدو أن الاستثمار في البنية التحتية والبناء لم يأتِ فقط من الطلب المحلي، بل يعكس أيضاً توقعات أوسع لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية في مشاريع أكبر تشمل تطوير الطرق، المدارس والمرافق العامة، وهو توجهٌ أصبح واضحاً في المشاورات الأخيرة بين الجهات السورية وبعض الشركاء الدوليين حول توسيع التعاون في قطاع مواد البناء والصناعات الثقيلة المرتبطة بالإعمار.

هذا الجمع بين الطلب المحلي والتحركات الاستثمارية الأوسع انعكس بشكل واضح في الارتفاع النسبي في أجور العمالة اليومية. ففي سوق درعا، يُبلغ عدد كبير من العمال أن أجورهم قد ارتفعت بنسب تتراوح بين 30 إلى 50 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، ما جعل بعض العائلات تعتمد بشكل كامل على دخل العمل في مواقع البناء لتغطية احتياجاتها الأساسية.

لكن مع هذا الارتفاع في الطلب على العمالة، تظهر تفاصيل دقيقة لحياة العاملين. مثلاً، في حي كفر شمس، يروي جلال، وهو عامل بناء متزوج وأب لثلاثة أطفال: “العمل موجود، لكننا نعمل لساعات طويلة مقابل أجر يكفي بالكاد لتغطية الاحتياجات الأساسية، فارتفاع أسعار المواد يعكس نفسه في كل تفاصيل البناء، نحن نحصل على العمل، لكننا نحتاج أيضاً إلى أجور أفضل لتعيش أسرنا.” قصص كهذه تبرز التناقض بين الطلب على العمل وبين التحديات الاقتصادية الحقيقية التي تواجه القوى العاملة نفسها.

بينما يسعى الكثير من الأهالي لبدء مشاريعهم الخاصة في مجال البناء أو مقاولات صغيرة، تظهر حاجة أكبر لتنظيم وتدريب مهني يساعد هؤلاء الرجال على زيادة مهارتهم، وبالتالي تحسين فرصهم في الحصول على أجور أعلى أو عقود عمل أكثر استدامة. يروّج بعض المقاولين المحليين لفكرة إنشاء ورش تدريبية في درعا لتأهيل الشباب على أحدث تقنيات البناء وإدارة المواقع، ما يمكن أن يضيف قيمة حقيقية لعملية الإعمار ويضمن جودة أفضل في المشاريع المنفذة.

يُظهر سوق عمالة البناء في درعا اليوم مزيجاً من التحديات والفرص؛ من جهة، يوفر الإقبال على الإعمار فرص عمل واسعة ويمنح الأمل للكثير من العائلات في تحسين أوضاعها، ومن جهة أخرى، تبقى التحديات الاقتصادية المرتبطة بارتفاع تكاليف المواد والأجور حاجزاً يجب تجاوزه لتحقيق استدامة حقيقية في هذا القطاع الحيوي. في ظل هذه الظروف، يبدو أن إعادة البناء في درعا ليست فقط عملية هندسية، بل هي قصة إنعاش اقتصادي واجتماعي يسعى إليها الرجال بكل ما لديهم من إرادة وكفاح.

 

- Advertisement -

- Advertisement -