لكل السوريين

جفاف نهر العاصي.. مأساة بيئية وزراعية تتعمّق في قلب سوريا

حماة

يشهد نهر العاصي واحدة من أسوأ أزماته التاريخية بعد أن تراجع منسوبه إلى حدّ الجفاف الكامل في مقاطع واسعة من مجراه داخل مدينة حماة ومحيطها، في مشهد غير مسبوق ترك انعكاسات خطيرة على الزراعة والبيئة وواقع المياه في المنطقة.

وهذا النهر الذي كان لعقود طويلة شريان الحياة للمدينة، ومصدر ريّ الأراضي الزراعية الممتدة على ضفتيه، فقد اليوم ملامحه الأساسية بعدما انكشفت قيعانه الجافة وغابت حركته المائية التي كانت تملأ المكان بهدوءها المعتاد.

على مدى أشهر، تحوّل مجرى العاصي إلى مساحة صامتة من الطين المتشقق والحجارة اليابسة، وبدت النواعير التاريخية التي ارتبط اسم حماة بها عاجزة عن الحركة، وقد تآكلت ألوانها وجفّت أخشابها نتيجة انقطاع المياه.

المشهد لم يكن صادما للزوار فحسب، بل كان قاسياً أيضاً على المزارعين الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على مياه النهر في ريّ حقولهم وبساتينهم، وخاصة أولئك الذين يزرعون الخضار الموسمية والفواكه الحساسة لنقص المياه.

حماة الأكثر تأثراً

في محيط حماة، ظهر تأثير الجفاف أكثر وضوحاً في البساتين القديمة التي كانت خضراء ومورقة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أراضٍ شبه ميتة، الأشجار التي تحتاج إلى ريّ منتظم ـ مرة أسبوعياً أو على الأقل مرة شهرياًـ لم تعد تجد الماء، ما أدى إلى جفافها واحتراق ثمارها، واضطر المزارعون إلى تقليم الأغصان اليابسة ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر شراء صهاريج مياه مرتفعة التكلفة.

وقد دفعت مطالبات المزارعين المتكررة الجهات المحلية إلى فتح سد الرستن لفترات محدودة وبكميات قليلة، ما أدى إلى عودة جريان محدود في مجرى العاصي ليومين فقط، قبل أن ينقطع مجدداً بسبب انخفاض مخزون السد إلى مستويات متدنية للغاية لا تسمح بتصريف كميات إضافية من المياه.

يمر العاصي، في الوقت الراهن، بضريبة ثقيلة فرضتها التغيرات المناخية العالمية؛ فالجفاف الذي ضرب مناطق واسعة من سوريا وشرق المتوسط ترافق مع انخفاض حاد في معدلات الأمطار والثلوج في مناطق المنبع، لا سيما الجبال اللبنانية التي تغذي ينابيع النهر الأساسية.

وقد سجّلت المنطقة واحداً من أدنى مواسم الهطول خلال سبعين عاماً تقريباً، ما أدى إلى تقلص كميات المياه السطحية والجوفية، وتأثر السدود والأنهار ومعها النشاط الزراعي والرعوي.

هذا التراجع أدى إلى انخفاض غير مسبوق في مخزون سد الرستن، الذي تراجعت مياهه إلى ما يقارب جزءاً يسيراً من طاقته الاستيعابية، ما حصر دوره في الحفاظ على الحد الأدنى من الرطوبة داخل جسم السد لضمان الأمان الفني. ومع غياب إمكانية فتح السد باستمرار، بدا مجرى النهر داخل حماة وكأنه خارج الزمن، بعد أن كان يشطر المدينة إلى قسمين ويمنحها حيويتها المعهودة.

مشكلات صحية وبيئية

الجفاف الذي أصاب العاصي لم ينعكس فقط على الزراعة، بل أثّر أيضاً على الثروة الحيوانية التي تعتمد على مياه النهر في الشرب، وعلى انتشار النباتات البرية التي تراجعت بشكل كبير، كما أدى انحسار المياه إلى بروز مشكلات صحية وبيئية، إذ ازدادت الروائح الكريهة في مجرى النهر وانتشرت الحشرات والجرذان في المناطق المحيطة به، ما رفع من احتمالات ظهور أوبئة موسمية وأمراض مرتبطة بانعدام النظافة.

وفي الوقت الذي تواجه فيه الزراعة أزمة متفاقمة، تعيش مدينة حماة مرحلة حساسة فيما يتعلق بتأمين مياه الشرب، الآبار الجوفية انخفضت مناسيبها، وتراجع غزارة العديد من الينابيع والآبار السطحية، ما دفع الجهات المختصة إلى إصدار تعليمات بتقييد استخدام مياه الشرب وعدم توجيهها لأي غرض آخر.

وتعمل مشاريع المياه القائمة في المحافظة بأقصى طاقتها الممكنة لضمان وصول المياه إلى الأهالي، مع زيادة عدد ساعات التشغيل تدريجياً وفق توفر الكهرباء التي ما زالت تخضع لبرنامج تقنين قاسٍ.

ويقوم تشغيل الآبار الداعمة بدور مهم في التخفيف من الأزمة، إلا أن الحفاظ على جودة المياه ضمن المواصفة القياسية المعتمدة ما يزال يشكّل تحدياً، خاصة مع ازدياد الطلب على مياه الشرب وتراجع المصادر التقليدية، ومع كل ذلك، يبقى القلق الأكبر هو احتمالية اضطرار الجهات الخدمية إلى تقليل ساعات الضخ مستقبلاً في حال استمر انخفاض مناسيب المياه الجوفية مع استمرار الجفاف.

جفاف العاصي ليس مجرد حدث طبيعي عابر، بل هو جزء من أزمة مائية شاملة تطال البلاد كلّها، فالتغيرات المناخية التي تضرب المنطقة تتسبب في إعادة رسم الخريطة الزراعية، وتهدد الأمن الغذائي، وترفع من مستويات التصحر، وتؤثر على المجتمعات الريفية التي تعيش أساسًا على الزراعة وتربية المواشي.

بدائل غير آمنة

كثير من المزارعين وجدوا أنفسهم مضطرين لاستخدام مصادر مياه غير آمنة، مثل مجاري الصرف الصحي، لسقاية المحاصيل في محاولة يائسة لإنقاذ جزء من محاصيلهم، رغم المخاطر الصحية الكبيرة الناتجة عن ذلك.

هذه الأزمة تُعد الأخطر منذ عقود، إذ تتعرض معظم مساحات شرق المتوسط والشرق الأوسط لسنوات متتالية من الجفاف الذي أدى إلى جفاف الأنهار والبحيرات، وتراجع المخزون المائي إلى أدنى مستوياته، ما ترك المدن الكبرى تعاني من انقطاع المياه لأيام في بعض الأحيان.

وفي سوريا، يتضاعف أثر هذه الظاهرة بسبب البنية التحتية المتقادمة، وتراجع الطاقة الإنتاجية للسدود، وتزايد الطلب المستمر على المياه سواء للشرب أو الزراعة.

تشير التوقعات إلى أن الأشهر المقبلة قد تحمل مزيداً من التحديات، خاصة مع مؤشرات استمرار التراجع في معدلات الهطول، ما يعني احتمال تكرار أو تفاقم أزمة الجفاف في العام المقبل، وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة الملحّة إلى وضع خطط استراتيجية طويلة الأمد لإدارة الموارد المائية، وإعادة النظر في أساليب الري التقليدية، وحماية السدود والأنهار، وتعزيز استخدام التقنيات الحديثة للحد من الهدر وتحسين كفاءة الاستهلاك.

ورغم قتامة المشهد الحالي، يبقى الأمل معقوداً على إمكانية اتخاذ إجراءات عاجلة توقف الانحدار المستمر للوضع المائي، وتمنع الوصول إلى مرحلة الجفاف التام للمصادر الحيوية. غير أن هذه الخطوات تحتاج إلى رؤية واضحة وإدارة فعّالة، وإلى تعاون المجتمع المحلي الذي يشكل طرفاً أساسياً في مواجهة التحديات المناخية التي تتعاظم عاماً بعد عام.

 

- Advertisement -

- Advertisement -