لكل السوريين

صحفية سورية: الصحافة النسوية حققت إنجازات لكن التحديات لا تزال قائمة

ازدادت المخاطر على الصحفيات السوريات بسبب الحرب ونزاع القوى المسلحة

الرقة

وجدت الصحافة النسوية نفسها في سوريا بعد اندلاع الحرب أمام تحديات غير مسبوقة في ممارسة عمله، منذ اللحظة الأولى واجهت صعوبة الوصول إلى المعلومات والمصادر، بينما كان الخطر الميداني يحيط بكل تقرير أو تحقيق، فقد أثر النزوح المستمر، انقطاع الخدمات الأساسية، والقيود المجتمعية على دور المرأة في الإعلام وجعل المهمة صعبة للغاية، ومع ذلك صممت الصحافيات على توثيق أصوات النساء والفتيات اللواتي أصبحن ضحايا النزاع، لتصبح الصحافة النسوية أداة لمقاومة الصمت في زمن الحرب.

ومع استمرار النزاع، ازدادت المخاطر على الصحافة النسوية سواء من القصف أو النزاعات بين الفصائل المسلحة، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى مناطق النساء المتضررات، لذلك أصبحت الصحافة النسوية بالنسبة للعاملات فيها أكثر من مجرد مهنة، فهي رسالة لتوثيق حقوق النساء والفتيات في زمن النزاع.

وفي هذا السياق أجرت صحيفة السوري حواراً مطولاً مع الصحفية السورية مزكين علي ودار الحديث التالي:

ما أبرز التحديات التي واجهت الصحافة النسوية منذ بداية الحرب السورية؟

واجهت منذ بداية الحرب تحديات كبيرة، بدءاً من الخطر المباشر في الميدان، مروراً بصعوبة الوصول إلى مصادر النساء المتضررات، بعض المناطق كانت مغلقة بسبب النزاعات، وأحياناً أخرى اضطرت المصادر للتحدث بصوت منخفض خوفاً على حياتها، بالإضافة لذلك واجهت نقصاً في التمويل، مما أثر على قدرتي على السفر والتغطية، رغم هذه العقبات كان الهدف الأساسي إيصال أصوات النساء والمجتمع المتضرر، وتوثيق قصص لا تصل إلى الإعلام التقليدي، ما جعل من الصحافة النسوية مسؤولية كبيرة وأداة مقاومة للصمت.

كيف أثر النزوح المستمر والخطر الميداني على طريقة عمل الصحفيات السوريات؟

النزوح المستمر دفع الصحفيات للتنقل من منطقة إلى أخرى، ما جعل من الصعب إنشاء شبكة مستقرة من المصادر، في بعض الأحيان كان الوصول إلى النساء المتضررات يحتاج تنسيقاً دقيقاً مع ناشطين محليين لضمان السلامة، والخطر الميداني مثل القصف والكمائن، جعل العمل الصحفي عملية تتطلب خططاً أمنية دقيقة.

ورغم ذلك، كانت الحاجة إلى توثيق الانتهاكات الإنسانية وحماية حقوق النساء والفتيات حافزاً للاستمرار، حتى باستخدام وسائل آمنة وغير مكلفة، مثل التقارير الرقمية والتواصل عبر القنوات أو التطبيقات المشفرة.

هل واجهت الصحافة النسوية ضغوطاً مجتمعية أو ثقافية بسبب كون أنهن نساء يعملن في الإعلام؟ وكيف تعاملت معها؟

واجهت الصحافة النسوية أحياناً انتقادات مجتمعية، مثل النظر إلى الإعلام كمهنة “رجالية”، أو الشك في قدرتهن على العمل في مناطق النزاع، بعض المؤسسات كانت مترددة في إرسال الصحفيات للميدان.

وتعاملت الصحفيات مع هذه الضغوط بالإصرار على إثبات الكفاءة، وبناء شبكة دعم من الزملاء النساء، هذا الموقف عزز ثقة الصحفيات في العمل، وساعدهن على كسر الصور النمطية، مع تسليط الضوء على قضايا النساء بطريقة مهنية ومسؤولة، مما جعل صوت المرأة الإعلامي أقوى وأكثر تأثيراً.

كيف تعاملت الصحفيات مع الرقابة والخوف من الملاحقة أثناء تغطيتهن لقضايا حساسة؟

تعلمت الصحفيات منذ البداية أن الحذر واجب، خصوصاً عند تغطية الانتهاكات، واستخدمن أساليب آمنة لحماية المصادر، مثل التواصل المشفر أو أسماء مستعارة، الرقابة والخوف كانا دائماً حاضرين، لكن الالتزام بالمهنية وحماية الضحايا كان أولوية.

أحياناً اضطرت الصحفيات لتأجيل نشر قصص حساسة لحين ضمان سلامة الجميع، الهدف الأساسي كان نقل الحقيقة بطريقة مسؤولة مع احترام خصوصية النساء والفتيات، مع الحفاظ على مصداقية الصحافة النسوية كمصدر موثوق للمعلومات الإنسانية والقانونية.

ما الدور الذي لعبته الصحافة النسوية في إيصال أصوات النساء والفتيات المتضررات؟

الصحافة النسوية أعطت صوتاً للنساء اللواتي تجاهلته وسائل الإعلام التقليدية، غطينا العنف الأسري، الزواج المبكر، النزوح، وأدوار النساء في العمل المجتمعي، والهدف لم يكن فقط التوثيق بل خلق تأثير اجتماعي وسياسي، وإظهار حقيقة المعاناة للجهات الإنسانية والدولية.

بعض القصص وصلت إلى وسائل إعلام عالمية، ما عزز حضور النساء في المشهد الإعلامي، وخلق منصة للمطالبة بحقوقهن، الصحافة النسوية أصبحت أداة ضغط على المجتمع والفصائل المسلحة لحماية النساء والفتيات وتحسين ظروفهن.

هل تلقت الصحفيات أي دعم مؤسساتي أو دولي يقدم عادة للصحفيات في مناطق النزاع؟ وهل كان كافياً؟

تلقت الصحفيات بعض الدعم عبر ورش عمل وبرامج قصيرة من مؤسسات دولية، لكنه كان محدوداً، غالباً ما يغطي الدعم عدداً صغيراً من الصحفيات المستقلات، وليس مشاريع مستمرة.

الوصول إلى التمويل صعب بسبب القيود الأمنية والإدارية، رغم ذلك حاولت الصحفيات الاستفادة من كل فرصة، سواء عبر التدريب أو التعاون مع شبكات دولية، لتطوير مهاراتهن والحفاظ على استمرارية التغطية، والدعم رغم محدوديته كان مهماً لبناء شبكة علاقات مهنية وتعزيز فرص الصحفيات في الوصول إلى الموارد والأدوات اللازمة لممارسة صحافة مستقلة وآمنة.

كيف أثر الوضع الاقتصادي وانعدام التمويل على استمرارية مشاريع الصحافة النسوية؟

الحرب أدت إلى تقلص التمويل وغياب الاستقرار المالي للمؤسسات الإعلامية، الصحافة النسوية تعتمد غالباً على مشاريع قصيرة الأمد أو دعم محدود، ما جعل الاستمرارية صعبة، تكاليف التنقل، حماية المصادر، وشراء المعدات كانت عبئاً كبيراً.

رغم ذلك، عزيمتنا على إيصال أصوات النساء والضحايا كانت تدفعنا للابتكار، باستخدام وسائل منخفضة التكلفة للتغطية، والتعاون مع ناشطين محليين، هذه الظروف علمتنا الاعتماد على الذات، وابتكار حلول مرنة تمكننا من الاستمرار في تقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق.

ما أكثر المواضيع الحساسة التي واجهتك صعوبة في تغطيتها، وكيف تجاوزت هذه العقبات؟

غطيت العنف ضد المرأة، الزواج المبكر، والتهجير القسري، وهي مواضيع حساسة تتطلب الحذر، غالباً ما واجهنا رفض المجتمع المحلي، أو تهديدات.

استخدمت الصحفيات أساليب سرية لضمان سلامة الضحايا، وسرد القصص بطريقة إنسانية ومهنية بعيداً عن الإثارة، والهدف كان توعية المجتمع المحلي والدولي، وتحريك الجهات الإنسانية لتقديم الدعم. الصحافة النسوية تظهر هنا دورها كوسيلة للتغيير الاجتماعي، وإبراز القضايا التي قد تتجاهلها وسائل الإعلام التقليدية، مع الالتزام بأخلاقيات المهنة وحماية الضحايا.

كيف ترين مستقبل الصحافة النسوية في سوريا بعد انتهاء الحرب أو في مرحلة التعافي؟

أرى المستقبل صعباً لكنه ممكن الحاجة لوجود صحفيات مستقلات لتغطية قضايا النساء والفتيات ومحاسبة المسؤولين ستظل قائمة، الخبرة المكتسبة خلال الحرب تساعد في بناء وسائل إعلام قوية واحترافية، مع ضرورة الاستثمار في تدريب الجيل الجديد.

كما يجب توفير منصات رقمية آمنة، وتشجيع التعاون بين المؤسسات المحلية والدولية، والصحافة النسوية ستظل أداة مهمة لتعزيز العدالة والمساواة، وضمان تمثيل النساء في الإعلام وصنع القرار، وهي رسالة تتجاوز مهنة الصحافة لتصبح واجباً إنسانياً واجتماعياً.

ما نصائحك للجيل الجديد من الصحفيات الراغبات في العمل في مناطق النزاع؟

أقول لكل صحفية شابة: طوروا مهاراتكم، تعلموا أساليب الأمان الرقمي والميداني، وتمسكوا بأخلاقيات المهنة، لا تخافوا من مواجهة التحديات الاجتماعية والثقافية، وكونوا دائماً صوتاً للنساء المهمشات.

التعاون مع الزملاء، وبناء شبكة علاقات مهنية، أمر ضروري، كما أن الإبداع في طرق التغطية يساعد على الاستمرارية، الأهم الصبر والمثابرة، فالصحافة النسوية رسالة أكثر من كونها مهنة، وهي وسيلة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن الحقوق، خصوصاً في مناطق النزاع.

كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على الصحافة النسوية في سوريا؟

وسائل التواصل الاجتماعي مزيج بين الفرص والمخاطر، من ناحية تسهل الوصول إلى الجمهور ونشر التقارير بسرعة، وتسمح بالتواصل المباشر مع النساء في مناطق النزاع، ومن ناحية أخرى تزيد المخاطر الأمنية على المصادر والصحفيات نفسها، مثل التهديدات أو تتبع الهوية.

لذلك تعلمت الصحفيات استخدام أساليب آمنة، مثل الحسابات المجهولة والمنصات المشفرة، تأثيرها الإيجابي يظهر في توسيع دائرة الوعي بقضايا النساء، بينما سلبياتها تتطلب يقظة مستمرة والتخطيط الدقيق لتجنب أي تهديد قد يضر بالضحايا أو بالمهنة.

هل كانت هناك تجارب شخصية أثرت في رؤيتك لمهنتك، سواء إيجابية أم سلبية؟

واجهت مواقف صعبة أثرت في مهنتي، مثل لقاء ضحايا العنف والفقدان، والتي تركت أثرًا نفسيًا كبيراً، في المقابل، كانت هناك تجارب إيجابية، مثل رؤية أصوات نسوية تصل إلى المجتمع الدولي، أو تقديم دعم عاجل للنساء بعد نشر قصصهن.

هذه التجارب شكلت رؤيتي للمهنة، حيث أصبحت الصحافة النسوية أداة للتغيير والعدالة، وليس مجرد نقل أخبار، كل تجربة صعبة علمت الصحفيات الصبر والحذر، وكل تجربة إيجابية أكدت لي أهمية الاستمرار في توثيق قصص النساء في ظروف الحرب.

كيف تحافظين على سلامتك النفسية بعد تغطية قصص مؤلمة أو عنف شديد؟

أعتمد على مجموعة من الأدوات النفسية، مثل مشاركة التجارب مع زملاء الصحافة، والاستراحة عند الحاجة، والكتابة عن التجارب كوسيلة للتفريغ النفسي، والتعامل مع قصص العنف يحتاج قدرة على الفصل بين الواقع المهني والمشاعر الشخصية.

كما أن ممارسة الرياضة والاهتمام بالأسرة والأصدقاء يساعد أيضاً على التوازن، الهدف هو أن تبقى قوية مهنياً دون أن تتحمل عبء المعاناة وحدها، مع الحفاظ على صحتها النفسية لمواصلة العمل الصحفي الفعال.

ما الفرق بين تغطية الصحافة النسوية للأحداث وبين الصحافة العامة في السياق السوري؟

الصحافة النسوية تركز على الجانب الإنساني والاجتماعي للنساء والفتيات، وتسعى لإبراز أصواتهم والتأثير على السياسات، أما الصحافة العامة فهي غالباً تركز على الأحداث الكبرى والسياسية، وقد تهمل القضايا اليومية للنساء.

وفي سوريا، هذا الفرق واضح خاصة أثناء الحرب، حيث كانت الصحافة النسوية توثق العنف الأسري، النزوح، والعمل المجتمعي للنساء، بينما كانت الصحافة التقليدية تغطي المعارك والخسائر فقط، وهذا الاختلاف يجعل الصحافة النسوية ضرورية لتقديم صورة كاملة عن تأثير الحرب على المجتمع، خصوصاً النساء.

- Advertisement -

- Advertisement -