المقاتلون الأجانب في سوريا بعد سقوط النظام.. حلفاء الأمس قنابل الغد
اشتباكات إدلب تكشف هشاشة المشهد الأمني
إدلب
شهدت محافظة إدلب شمال غربي سوريا نهاية الأسبوع الماضي اشتباكات مسلحة عنيفة بين “فرقة الغرباء” التي يقودها الجهادي الفرنسي عمر ديابي المعروف باسم “عمر أومسن”، وقوات تابعة للحكومة السورية الانتقالية.
الاشتباكات التي اندلعت في مخيم الفردان قرب مدينة حارم جاءت بعد شكاوى من السكان حول “انتهاكات جسيمة” ارتكبتها جماعة ديابي، من بينها اختطاف فتاة، بحسب بيان وزارة الداخلية.
لكن محللين يرون أن المواجهات تكشف أكثر من مجرد “حادث أمني”، إذ تعكس هشاشة الوضع في سوريا الجديدة التي تحاول ترسيخ سلطتها بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول الماضي.
تقول الباحثة في معهد نيولاينز بواشنطن دانيا العريسي إن “المواجهة تمثل اختباراً لقدرة الحكومة السورية المؤقتة على فرض الأمن في مرحلة ما بعد الأسد، لكنها في الوقت ذاته تُظهر مدى تعقيد المشهد الداخلي وتعدد الولاءات”.
المهاجرون في قلب الصراع
يُعد عمر ديابي من أبرز المقاتلين الأجانب الذين لعبوا دوراً أساسياً خلال الحرب السورية، إذ قاد مجموعة تُعرف باسم “فرقة الغرباء” تضم عشرات الفرنسيين الناطقين بالفرنسية.
أصبح ديابي مطلوباً أمنياً دولياً منذ عام 2014، وصنفته وزارة الخارجية الأميركية إرهابياً بعد انضمامه إلى جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة آنذاك.
في الاشتباكات الأخيرة، ظهر جبريل ديابي، نجل القائد الفرنسي، في مقطع مصوّر ناشد فيه السوريين التدخل “لإنقاذ النساء والأطفال”، في وقت كانت قوات الأمن تطوق المخيم استعداداً للاقتحام.
وأفادت مصادر ميدانية أن وساطات من “فرقة الأوزبك” أدت إلى هدنة مؤقتة وافق بموجبها ديابي على تسليم الأسلحة الثقيلة.
غير أن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن شكك في الرواية الرسمية، معتبراً أن “العملية كانت محاولة لاعتقال ديابي المطلوب للسلطات الفرنسية ضمن اتفاق تعاون أمني بين دمشق وباريس وواشنطن”.
اندماج المقاتلين الأجانب
منذ تولي أحمد الشرع السلطة، انتهجت الحكومة السورية الانتقالية سياسة دمج المقاتلين الأجانب في المؤسسات العسكرية والأمنية، ضمن ما تصفه بـ“الاندماج المجتمعي”.
ويؤكد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسام طالب أن “السلطات تعتبر هؤلاء المقاتلين جزءاً من الثورة السورية وتسعى لاحتوائهم ضمن الهيكلية الرسمية”.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 30 ألف مقاتل أجنبي شاركوا في الحرب السورية منذ 2011، فيما يقدر مركز “صوفان” أن 5000 مقاتل ما زالوا ناشطين داخل البلاد.
وتضم صفوف الجيش الجديد نحو 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الإيغور والأوزبك والطاجيك، يشغل بعضهم مناصب قيادية في “الفرقة 84” التي أنشئت مؤخراً.
لكن هذه السياسة تثير انتقادات واسعة بسبب الدور الذي لعبه المقاتلون الأجانب في مجازر طائفية وقعت في الساحل والسويداء خلال الأشهر الماضية، كما أن ستة من أصل 49 منصباً قيادياً في الجيش يشغلها أجانب، في مؤشر على تغلغلهم داخل مؤسسات الحكومة.
وعليه فإن حكومة الشرع تواجه معضلة متزايدة في التعامل مع هؤلاء المقاتلين، فالتخلص منهم قد يؤدي إلى انشقاقات وانضمامهم إلى تنظيمات متشددة مثل داعش.
ويبدو أن الخطر الحقيقي لا يكمن داخل سوريا فقط، بل في أن كثيراً من المقاتلين يحملون فكراً عابراً للحدود ويرون في البلاد محطة مؤقتة لشن هجماتهم نحو الشرق الأوسط وأوروبا.