طوت مدينة الرقة في تشرين الأول عام 2017، صفحة من أكثر فصولها ظلاماً، حين أعلنت قوات سوريا الديمقراطية تحرير المدينة من تنظيم “داعش” بعد معارك ضارية استمرت عدة أشهر متواصلة.
كان هذا اليوم لحظة فارقة في تاريخ المدينة التي تحوّلت إلى عاصمة “الخلافة” المزعومة، وساحة لتجارب قاسية عاشها أهلها بين الحصار، القصف المستمر، والرعب اليومي الذي زرعه التنظيم. لم يكن التحرير مجرد حدث عسكري، بل تحولاً اجتماعياً وإنسانياً عميقاً أعاد للمدينة روحها وهويتها، وأتاح لأهلها فرصة إعادة بناء حياتهم ومجتمعهم بعد سنوات من الخراب والمعاناة.
حين سيطر تنظيم “داعش” على الرقة عام 2014، أصبحت المدينة مركزاً لإدارته ومقراً لرموزه وقادته، فرض التنظيم نظاماً قمعياً شديد الصرامة، وقيّد حرية السكان بشكل كامل، إذ حُظر التعليم وقيّد التحرك، وفرض قيوداً صارمة على النساء، وأُقيمت المحاكم الشرعية والسجون في المدارس والمباني الحكومية.
تحوّلت الرقة إلى رمز عالمي للرعب، وعايش سكانها أياماً من الخوف والتهديد المستمرين، إذ باتت كل زاوية من المدينة تحمل قصة مأساوية.
عملية “غضب الفرات” والتحرير العسكري
في عام 2017، أطلقت قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي عملية “غضب الفرات”، التي بدأت من ريف المدينة وتقدمت عبر محاور متعددة حتى دخول الأحياء الشرقية.
استمرت معارك الرقة عدة أشهر من القتال العنيف، شهدت خلالها المدينة دماراً هائلاً، ونزوحاً جماعياً للسكان، وترك تنظيم “داعش” وراءه آلاف الألغام والمتفجرات التي غيّرت ملامح المدينة بالكامل. عانى السكان من انقطاع الخدمات الأساسية، وفقدان آلاف الأرواح البشرية، فيما تحولت المدينة إلى “مدينة أشباح” عند إعلان التحرير.
بلغت نسبة الدمار الكلي في الرقة نحو 65%، والجزئي أكثر من 85%. شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي كانت مدمرة بالكامل، وتضررت آلاف المساكن والمحال التجارية، فيما تم انتشال أكثر من ستة آلاف جثة من المقابر الجماعية المنتشرة في أحياء المدينة، بينما بقي كثير من المفقودين مجهولي المصير حتى اليوم.
عمليات نزع الألغام استمرت لأكثر من ثلاث سنوات بعد التحرير، وتمكنت فرق الهندسة التابعة للإدارة الذاتية وقوات الأمن الداخلي من تفكيك نحو ثمانية آلاف لغم زرعها التنظيم في البيوت والطرقات والمؤسسات العامة، مما كان يشكل عائقاً كبيراً أمام العائدين وسبّب عشرات الوفيات بعد انتهاء المعارك.
لم تكن عودة الحياة إلى الرقة سهلة، ومع نهاية عام 2017 بدأت أولى قوافل العائلات بالعودة إلى أحيائها المدمرة، لتبدأ عملية شاقة من رفع الركام وإعادة البناء، أنشأت الإدارة الذاتية مجلس الرقة المدني الذي تولى إدارة شؤون المدينة وإعادة تأهيل المرافق العامة، وكان التحدي الأكبر هو استعادة الخدمات الأساسية، كالكهرباء والمياه والمواصلات، بالإضافة إلى إعادة تشغيل المدارس والمراكز الصحية.
خلال السنوات الثلاث الأولى، كانت الجهود منصبة على إزالة الأنقاض وفتح الطرقات، وبلغ معدل ترحيل الأنقاض أكثر من 25 ألف متر مكعب شهريًا، ما ساعد على فتح الطرق الفرعية والرئيسية داخل المدينة وعلى أطرافها.
ومع مرور الوقت بدأت ملامح المدينة تتغير تدريجياً، وفتحت الأسواق مجدداً، وأعيد ترميم عدد من المدارس والمشافي، بينما بدأت منظمات محلية ودولية بالتعاون مع الإدارة الذاتية بالمساهمة في مشاريع دعم إنساني وخدمي، ما ساهم في استقرار الحياة تدريجياً.
وتُعد المدارس من أكثر القطاعات التي تضررت خلال المعارك، إذ دُمرت أكثر من 60% من أبنية التعليم كلياً أو جزئياً، وبحلول إذ جرى ترميم معظم المدارس خلال السنوات الماضية، واليوم تستقبل المدارس نحو 120 ألف طالب وطالبة في مختلف المراحل بعد سنوات من الانقطاع عن التعليم.
كما خضعت المناهج التعليمية لتعديل شامل، إذ أُدرجت مواد جديدة تركز على قيم التعايش والمساواة، محاولةً قطع الطريق أمام الفكر المتطرف الذي خلّفه التنظيم، واستُحدثت برامج لتأهيل المعلمين الجدد، ومراكز تدريب للكوادر التعليمية، لتلبية حاجة المدينة إلى تعليم فعال يحافظ على استقرار المجتمع ويعيد بناء الهوية الثقافية والمعرفية.
دُمّر القطاع الصحي في الرقة بشكل شبه كامل أثناء المعارك، وتحولت المستشفيات العامة إلى أطلال، فيما نُهبت أو احترقت المعدات الطبية، اليوم تضم المدينة ثلاثة مستشفيات عامة رئيسية الوطني، ومستشفى النساء والأطفال، ومستشفى الهلال الأحمر، إضافة إلى ستة مستشفيات خاصة و27 مركزاً صحياً ومستوصفاً.
استعادت الرقة جزءاً كبيراً من كوادرها الطبية، وبدأت برامج لتأهيل الممرضين والأطباء الشباب، ما ساهم في تحسين الرعاية الصحية بشكل تدريجي.
ونفذت الإدارة الذاتية مشاريع عديدة لإعادة تأهيل الطرق والجسور، وأُنشئت عبارات جديدة على نهر الفرات والبليخ لتسهيل حركة النقل، كما استُخدمت كميات كبيرة من الأنقاض في ردم الحفر وتثبيت الطرق، وتم إعادة تشغيل محطات المياه الرئيسية التي تزود المدينة، أما الكهرباء، فتمت استعادتها تدريجيًا عبر وصل المدينة بشبكة سد الفرات ومحطات محلية، رغم التحديات المستمرة مثل خفض تركيا لكميات المياه المتدفقة عبر النهر، مما قنن ساعات التغذية الكهربائية، واضطر السكان للاعتماد على مولدات كهربائية محلية.
الإدارة المحلية والحكم الذاتي
شكّل مجلس الرقة المدني ومن ثم المجلس التنفيذي نموذجاً جديداً في الإدارة المحلية، بمشاركة ممثلين عن مختلف المكونات العشائرية والاجتماعية، اعتمد المجلس على هيكل إداري لامركزي يضم لجاناً للخدمات والصحة والتعليم والمرأة والاقتصاد، إلى جانب قوات الأمن الداخلي المسؤولة عن حفظ الأمن.
ورغم الانتقادات التي وُجهت له في السنوات الأولى بسبب “قلة الخبرة” أو “البيروقراطية”، إلا أن أداءه تحسن تدريجياً، خاصة مع توسع قدراته الفنية والمالية، وتحسين التواصل مع المجتمع المحلي والمنظمات الإنسانية.
وواصلت المنظمات المحلية لعب دور كبير في مشاريع إعادة الإعمار والإغاثة، حيث عملت عشرات المنظمات بالتعاون مع الإدارة الذاتية في مجالات التعليم والمياه وإزالة الأنقاض ودعم المشاريع الصغيرة.
هذه الجهود ساهمت في خلق بيئة أكثر استقراراً، وتحفيز السكان على العودة والمشاركة في بناء المدينة، وهو ما عزز من تماسك المجتمع المحلي وقدرته على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.
وبدأ الاقتصاد في الرقة بالتعافي ببطء في البداية، وكانت الزراعة العمود الفقري للمدينة، حيث استعادت نشاطها بفضل مشاريع الري وإصلاح مضخات المياه، كما عادت الأسواق والمقاهي إلى نشاطها، وبدأت بعض الصناعات الصغيرة والحرف اليدوية بالانتعاش، ما ساهم في خلق فرص عمل للسكان العائدين، كذلك بدأت مشاريع البنى التحتية الاقتصادية، مثل إعادة تأهيل الأسواق والمحال التجارية، في تشجيع النشاط التجاري، ما جعل المدينة أكثر جاذبية للاستثمار المحلي.
وشهدت الرقة بعد التحرير نهضة ثقافية لافتة، وفُتحت مراكز ثقافية جديدة ومكتبات عامة، وأقيمت مهرجانات فنية ومسرحية شارك فيها فنانون من مناطق مختلفة من سوريا، ما ساهم في إعادة الحياة إلى المدينة، ونشطت مؤسسات إعلامية محلية لتوثيق ذاكرة الحرب وتغطية الحياة اليومية، محاولة كسر الصورة النمطية التي التصقت بالمدينة خلال سنوات التنظيم.
الفن التشكيلي، والموسيقى، والمسرح، وحتى الرياضة، عادت لتشكل جزءاً من المشهد الاجتماعي، مؤكدة أن المدينة لم تعد تخاف من الفرح.
دور النساء
لعبت النساء دوراً بارزاً في إعادة بناء الحياة العامة، سواء في المجالس المحلية أو المدارس أو المشاريع الصغيرة، ما جعل حضورهن في المشهد الاجتماعي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وشاركت في صياغة المجتمع المدني، حيث أصبحت النساء عنصراً أساسياً في صناعة القرار والمبادرات المجتمعية.
وشهدت الأوضاع الأمنية تحسناً واضحاً مقارنة بالسنوات الأولى بعد التحرير، رغم استمرار محاولات خلايا تنظيم “داعش” تنفيذ هجمات محدودة، خاصة في الريف، لكن انتشار قوات الأمن الداخلي وعمليات المداهمة المستمرة قلّص من قدرة التنظيم على التحرك، ما ساهم في تعزيز شعور السكان بالأمان، وأتاح لهم المشاركة في مشاريع إعادة البناء دون خوف.
في الذكرى الثامنة للتحرير، تستحضر الرقة ذاكرتها الجماعية، الاحتفالات التي تنظمها المؤسسات المدنية والمجالس المحلية تحمل طابعاً وطنياً عاماً، حيث يشارك فيها المقاتلون القدامى وذوو الشهداء وطلاب المدارس ومختلف فئات المجتمع.
وتتجدد رواية المدينة عن نفسها، مدينة دفعت ثمناً باهظاً لكنها لم تنكسر، لتقف اليوم كرمز للصمود والتجديد.
ثماني سنوات بعد التحرير، تقف الرقة اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، لم تعد المدينة غارقة في الدمار كما كانت، ولم تعد تكتفي بدور “الناجية”، بل تحاول أن تكون نموذجاً للمدينة التي تستعيد روحها بنفسها، وتمثل مثالاً لسوريا الديمقراطية المتنوعة التي يحلم بها أبناؤها.
الأسواق تضج بالحياة، والمدارس ممتلئة بالتلاميذ، والنساء يقمن بمبادرات اجتماعية واقتصادية، فيما تواصل الإدارات المحلية جهودها لتحسين الخدمات وبناء مؤسسات أكثر فعالية.
الرقة، التي عاشت أقسى أنواع الظلم والعنف، أصبحت اليوم عنواناً لصمود سكانها وإصرارهم على إعادة بناء مدينتهم بأيديهم، وسط بيئة سياسية وأمنية معقدة. وبين ركام الماضي ومشاريع المستقبل، تبقى الذكرى الثامنة للتحرير فرصة لتأمل حجم التحول الذي شهدته المدينة، من مركز للظلام إلى مساحة للحياة، ومن عاصمة للخوف إلى رمز للأمل والتجدد.