أكد المتحدث باسم حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا محمد رمضان العبود، أن الديمقراطية ليست مجرد إعلان سياسي أو صياغة دستور، بل عملية فكرية واجتماعية شاملة تحتاج إلى إشراك جميع المكونات، وتعزيز استقلال القضاء، وفصل الدين عن الدولة، وتفعيل دور المجتمع المدني والمرأة والشباب.
وحذر العبود من الشعارات التي تداول تحت خضم الأزمة التي قد تعيد إنتاج الاستبداد، مع ضرورة الاستفادة من تجارب الدول العربية الأخرى، وتحصين المشروع الوطني من التدخلات الخارجية عبر حوار شامل ومصالحة حقيقية تضمن وحدة البلاد وحقوق مواطنيها، مع التأكيد أن المرحلة الانتقالية مفتوحة على جميع الاحتمالات.
تعيش سوريا اليوم واحدة من أدق مراحلها السياسية والاجتماعية، حيث تقف البلاد أمام مفترق طرق تاريخي، فبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تبدو المرحلة الانتقالية فرصة نادرة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس جديدة، قوامها الحرية والعدالة والمشاركة الشعبية.
إن تجاهل هذه الفرصة قد يقود حتماً إلى إعادة إنتاج سلطة استبدادية بوجه مختلف، ما يعني استمرار الدوامة ذاتها التي دفعت البلاد إلى أتون الصراع، وفي هذا السياق عقدت صحيفتنا حواراً مع المتحدث باسم حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا محمد رمضان العبود وكان الحوار التالي:
ما الذي يجعل المرحلة الانتقالية في سوريا لحظة حاسمة للتحول الديمقراطي؟
التحول الديمقراطي في سوريا ليس مجرد تغيير شكلي للنظام أو إعادة كتابة الدستور، بل هو عملية متكاملة تشمل المجتمع والفكر والسياسة. نحن أمام مرحلة مفصلية يمكن أن تحدد شكل الدولة ومستقبلها لعقود قادمة. بعد سنوات طويلة من الحرب والنزاع المسلح والانقسام الطائفي والسياسي، أصبح من الضروري التفكير في بناء نظام سياسي قادر على تحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان المشاركة الحقيقية لجميع السوريين، وعدم الاحتكار السياسي لأي فئة.
المرحلة الانتقالية اليوم توفر نافذة زمنية نادرة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس جديدة تقوم على الحرية والمساواة والمشاركة الشعبية. تجاهل هذه الفرصة قد يعيد البلاد إلى الدوامة نفسها التي أدخلتها في صراعات دامية، بينما اغتنامها يمكن أن يؤسس لدولة حديثة قوية قادرة على حماية الحقوق، وبناء مؤسسات مستقرة، وتحقيق استقرار سياسي واجتماعي مستدام.
كيف يمكن تجنب إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة خلال هذه المرحلة؟
الاستبداد في سوريا ليس مجرد سلطة نظامية، بل هو منظومة اجتماعية وسياسية تمارس السيطرة على المجتمع بشكل ممنهج. لتجنب إعادة إنتاجه، يجب وضع آليات واضحة وحقيقية تمنع احتكار السلطة والثروة، وتشجع الشفافية والمساءلة. من أهم هذه الآليات:
صياغة دستور عصري يضمن الفصل بين السلطات وحقوق المكونات، ويجعل القانون فوق الجميع.
استقلال القضاء كشرط أساسي لترسيخ العدالة ومنع العودة إلى منطق القوة والهيمنة.
حرية الإعلام والتنظيم السياسي لإتاحة فضاء عام حر يمكن فيه النقاش والمراقبة والرقابة الشعبية.
وغياب الإرادة السياسية الحقيقية للتحول الديمقراطي يفتح الباب أمام ظهور نخبة جديدة تتدثر بشعارات براقة لكنها تتبع أسلوب الاستبداد القديم، أو بروز قوى أمر واقع استغلت سنوات الحرب لبناء نفوذها العسكري والسياسي. وهنا، الديمقراطية ليست خياراً بل ضرورة لحماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي، وضمان عدم سقوط البلاد في دوامة جديدة من العنف والانقسام.
ما هي أبرز الدروس التي يمكن لسوريا الاستفادة منها من تجارب دول مرت بمراحل انتقالية؟
تجارب الدول العربية في مرحلة ما بعد النزاع تقدم دروساً حيوية لسوريا. مصر أظهرت أن غياب توافق القوى السياسية والمجتمع المدني يؤدي بسرعة إلى عودة النظام العسكري، وأن الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى قواعد واضحة ومؤسسات قوية، وإلا فإن السلطة تتسيدها المؤسسة العسكرية أو النخبة التقليدية.
فيما كشف العراق بعد 2003 هشاشة النظام الجديد القائم على الانقسام الطائفي، والذي أنتج دولة ضعيفة غير قادرة على بناء مشروع وطني جامع، وأدى إلى سيطرة فصائل مسلحة على مفاصل الدولة.
السوريون بحاجة لاستيعاب هذه الدروس الديمقراطية لا تعني فقط إسقاط النظام السابق، بل تعني بناء مؤسسات قوية وقواعد وطنية جامعة، وحماية المكونات، وإشراك الشباب والمرأة والمجتمع المدني في كل مرحلة من مراحل الانتقال.
هل يكفي تغيير الدستور لضمان الديمقراطية، أم أن المطلوب تغيير في الثقافة السياسية والمجتمعية؟
الدستور مهم، لكنه ليس كافياً. يمكن أن نكتب أفضل النصوص القانونية، لكن إذا بقي المجتمع مرتبطاً بعقلية فصائلية أو طائفية، فلن تتحقق الديمقراطية.
التحول الديمقراطي يحتاج إلى تغيير ثقافي وسياسي شامل قبول الآخر، احترام حقوق الأقليات، الاعتراف بالتعددية، ونشر ثقافة المساءلة والمواطنة.
الديمقراطية، كما أؤكد، هي ممارسة يومية وسلوك مجتمعي، وليست مجرد نصوص مكتوبة أو مؤسسات شكلية. كل محاولة لإرساء الديمقراطية بدون تحريك الوعي المجتمعي ستظل شكلية، وقد تتحول إلى نسخة جديدة من الاستبداد لكنها بوجوه جديدة.
كيف يمكن بناء مؤسسات قضائية مستقلة في بلد يعاني من تركة الاستبداد والحرب؟
القضاء هو الضامن الأول للعدالة وحماية الحقوق. لكن في سوريا، تعرضت المؤسسات القضائية لتسييس كبير خلال العقود الماضية، وتفاقم الوضع مع الحرب التي فرضت نفوذ الفصائل العسكرية والسياسية على مختلف مفاصل الدولة.
إعادة بناء القضاء تتطلب تحريره من الهيمنة السياسية والدينية والفصائلية، ضمان استقلال القضاة في التعيين والفصل في القضايا، وإنشاء آليات لمحاسبة أي تجاوزات قانونية من قبل المسؤولين.
استقلال القضاء هو عنصر أساسي لخلق بيئة ثقة بين المواطن والدولة، وهو الذي يسمح بتطبيق القانون بعدالة ومساواة، ويمنع عودة الاستبداد بوجوه جديدة.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه قوى المجتمع المدني والمرأة والشباب في قيادة التحول الديمقراطي؟
المجتمع المدني هو القوة الحقيقية القادرة على دفع عملية التحول الديمقراطي إلى الأمام، لأنه يمثل صوت المجتمع وليس السلطة.
فالمرأة هي ركيزة أساسية في بناء مجتمع ديمقراطي، إذ يمكن لمشاركتها الفعالة في السياسة والاقتصاد والثقافة أن تحدث تغييراً كبيراً في أسس القيم الاجتماعية والسياسية.
ويمثل الشباب غالبية المجتمع السوري، ولديهم القدرة على دفع المجتمع نحو إصلاحات جذرية، ونشر ثقافة المواطنة والمساواة والحرية.
دور هذه القوى لا يقتصر على المشاركة، بل على القيادة الفعلية للتحول، من خلال نشر قيم التسامح والمساءلة، والدفاع عن دولة علمانية ديمقراطية تضمن الحقوق للجميع.
كيف يمكن معالجة مخاوف المكونات وضمان مشاركتها العادلة في النظام الجديد؟
لا يمكن تحقيق أي انتقال ديمقراطي حقيقي دون إشراك جميع المكونات القومية والدينية والسياسية في صياغة المستقبل.
المصالحة الوطنية تمثل حجر الأساس في هذا السياق، وتحتاج إلى إقرار العدالة الانتقالية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة، تطوير آليات لضمان مشاركة الأقليات في الحكم والسياسات العامة، تبني شعار جامع مثل “الدين لله والوطن للجميع” ليصبح إطاراً يحمي حقوق الجميع ويقطع الطريق أمام الانقسامات الطائفية.
ما هي التحديات الخارجية التي قد تعرقل بناء نظام ديمقراطي في سوريا؟
التدخلات الخارجية تمثل أحد أخطر العقبات أمام الديمقراطية في سوريا، سواء من القوى الإقليمية أو الدولية. هذه التدخلات غالباً ما تستهدف تحقيق مصالحها على حساب السيادة الوطنية واستقرار الدولة.
مع ذلك، يظل العامل الداخلي هو الحاسم بناء توافق وطني، مؤسسات قوية، وحوار شامل بين جميع الأطراف هو السبيل لمواجهة التدخلات الخارجية، وإحباط محاولات الهيمنة أو الفوضى.
هل هناك إمكانية لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية دون إرساء أسس الديمقراطية؟
المصالحة الوطنية بلا أساس ديمقراطي ستبقى هشة ومؤقتة. الديمقراطية توفر إطاراً يحمي الحقوق ويضمن مشاركة الجميع في القرار، بينما غيابها يعني استمرار التوترات والانقسامات.
الحل الحقيقي يأتي من الداخل السوري عبر عقد اجتماعي جديد، يضع أسس الدولة العلمانية، ويضمن حرية المعتقد، وحقوق المواطنة المتساوية، ويمنع العودة إلى أي شكل من أشكال الاستبداد.
ما السيناريوهات المحتملة إذا فشلت المرحلة الانتقالية في إنجاز تحول ديمقراطي فعلي؟
المرحلة الانتقالية في سوريا مفتوحة على جميع الاحتمالات. في حالة الفشل، قد تشمل السيناريوهات:
استمرار الصراع الداخلي مع احتمالية تدخل خارجي مستمر.
انزلاق البلاد نحو التقسيم نتيجة الانقسامات العميقة بين المكونات.
فقدان الدولة لمقومات الاستقرار، مع استمرار الفوضى الاجتماعية والاقتصادية.
هذا الفشل لن يؤثر على الدولة فحسب، بل على المجتمع بأسره، وسيؤدي إلى آثار كارثية طويلة الأمد على الاقتصاد، التعليم، الصحة، والبنية الاجتماعية.