في ظل ما تشهده الساحة السورية من تجاذبات فكرية وسياسية، تعود إلى الواجهة قضية العلاقة بين الدين والسياسة، وحدود دور التيارات ذات المرجعية الدينية في مستقبل البلاد.
ولا يقتصر النقاش الدائر اليوم على مصير جماعة بعينها، بل يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات أعمق حول طبيعة الدولة التي يسعى السوريون لبنائها بعد سنوات من الحروب والانقسامات، وهل يمكن أن تكون هذه الدولة ديمقراطية حقاً إذا استمرت الأيديولوجيات الدينية في التحكم بمسارها؟!.
لقد أظهرت تجارب العقود الماضية، سواء في سوريا أو في محيطها الإقليمي، أن الإسلام السياسي لم ينجح في تقديم أي مشروع وطني جامع، بل تحول غالباً إلى أداة للاستقطاب والانقسامات، وأعاد إنتاج أنماط من الإقصاء تحت مسمى المرجعية الدينية.
واليوم يتنامى إدراك متزايد بأن بناء دولة مدنية حديثة يتطلب فصلاً واضحاً بين الدين والسياسة، بما يحمي الدين من التوظيف السياسي، ويحمي السياسة من القداسة.
فالمواطنة المتساوية، واحترام التعدد، وضمان حقوق الأفراد والجماعات، لا يمكن أن تتحقق في ظل مشاريع سياسية مؤدلجة دينياً.
وعليه فإن المطلوب هو صياغة مشروع وطني جديد يقوم على التعددية والحرية والشراكة الحقيقية بين جميع المكونات، بعيداً عن أي وصاية دينية أو فكرية.
والديمقراطية في سوريا المستقبل لن تتحقق عبر إقصاء المتدينين أو تهميش الدين، بل عبر ضمان حياد الدولة تجاه مختلف الأديان، وفتح المجال العام أمام الجميع على قاعدة المساواة.
إنها لحظة فارقة في تاريخ سوريا، تتطلب شجاعة فكرية وسياسية، لتجاوز منطق الهيمنة والاصطفاف، والانطلاق نحو عقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويضمن لكل السوريين مكانهم في وطن يتسع للجميع.