لكل السوريين

سقف وأربعة جدران وهمّ بلا حدود.. أزمة الإسكان تتفاقم في ريف دمشق

ريف دمشق/ مرجانة إسماعيل

بين الأحياء الحديثة والشوارع الضيقة في ريف دمشق، تتغير ملامح الحياة يوماً بعد يوم، ليس فقط بفعل وقع الأقدام المتعبة أو أصوات السيارات المتزاحمة، بل بفعل تحول صامت لكنه عميق يطرأ على سوق العقارات، ذلك السوق الذي أصبح مؤشراً صادقاً على تحولات الاقتصاد والمجتمع. هنا، حيث يبحث الناس عن ملاذ آمن يحميهم من تقلبات الحياة، تتحول الشقق إلى أرقام خيالية، والإيجارات إلى أحمال ثقيلة تكاد تقصم ظهور محدودي الدخل.

لم تكن أسعار العقارات في ريف دمشق يوماً منخفضة، لكن ما تشهده اليوم هو أمر مختلف تماماً. فبعد سنوات من الركود الذي خيم على السوق، ها هو الانتعاش يعود، لكنه انتعاش مرير، تحكمه قوى السوق بعيداً عن أي ضوابط أو رقابة. لقد أصبحت الشقق سلعة كالفاخورة، يرتفع سعرها مع ارتفاع سعر الدولار، بينما تتراجع القدرة الشرائية للمواطن إلى الحضيض.

في أحد المكاتب العقارية في منطقة حرستا، يجلس محمد الدرويش، وهو صاحب مكتب عقاري، خلف طاولته المليئة بالأوراق والعقود. يتحدث عن التحسن النسبي في حركة السوق بعد شهور طويلة من الجمود، لكنه يعترف بأن الأسعار أصبحت “خيالية”. يقول: “الناس صارت تقبل حتى على الطوابق العليا التي كانت مرفوضة سابقاً، لأنها أصبحت الخيار الوحيد المتاح للكثيرين”. ويضيف أن سعر الشقة العظمى بمساحة 90 متراً ارتفع من حوالي 75 مليون ليرة إلى ما بين 80 و85 مليوناً، أما الشقة المكسية فقد تجاوز سعرها 200 مليون ليرة في بعض المناطق.

لكن على الجانب الآخر من الطاولة، هناك وجوه أخرى تحمل قصصاً مختلفة. أم علي، وهي أرملة تعول ثلاثة أطفال، تبحث عن شقة بالإيجار منذ أشهر. تقول وهي تمسك بحزم من الأوراق تثبت دخلها المحدود: “كلما وجدت سكناً يناسبني، أنصدم بالسعر. الإيجارات وصلت إلى مليون ليرة في بعض المناطق، كيف يمكن لمثل حالتي أن تتحمل هذا المبلغ؟”. صوتها يحمل بين طياته غصة كبيرة، غصة من يعرف أن السكن أصبح رفاهية لا يقدر عليها.

هذه القفزة في الأسعار لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة لعدة عوامل متشابكة. ارتفاع سعر صرف الدولار كان العامل الأبرز، حيث أصبح المستثمرون وأصحاب العقارات يربطون أسعارهم بالسعر السوقي للدولار، مما خلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب. كما أن زيادة عدد النازحين من المناطق الأخرى إلى ريف دمشق، بحثاً عن الأمان والاستقرار، زاد من الضغط على السوق العقاري، فقلت الشقق المتاحة وارتفعت أسعارها بشكل جنوني.

غياب الضوابط الناظمة لعمل السوق العقاري يزيد الطين بلة. ففي غياب الرقابة الفعلية، أصبح بإمكان أي مالك أن يرفع السعر كما يشاء، دون أن يكون هناك أي معايير تحدد سقفاً للأسعار أو تحمي المستأجر من الجشع. هذا الغياب للضوابط خلق بيئة خصبة للاستغلال، حيث يضطر الكثيرون إلى دفع مبالغ طائلة مقابل مساحات صغيرة لا تتوفر فيها أبسط شروط العيش الكريم.

وفي حين يعتبر بعض الخبراء أن هذه الارتفاعات هي نتيجة طبيعية لقوى السوق، يرى آخرون أن الأمر يتطلب تدخلاً عاجلاً من الجهات المعنية. فالسكن حق أساسي من حقوق الإنسان، وليس مجرد سلعة تخضع لعرض وطلب. وبدون تدخل حكومي لوضع ضوابط تحمي محدودي الدخل، فإن الفجوة بين الغني والفقير ستتسع أكثر، وسيزداد عدد من لا سقف يؤويهم.

أما على الأرض، فإن القصص تتكرر يومياً. شاب يؤجل زواجه لأنه لا يستطيع تأمين شقة، عائلة تضطر إلى النزول إلى منطقة أبعد بحثاً عن إيجار أقل، وآخرون يقبلون على شراء شقق في أطراف المدينة حيث الأسعار أقل نسبياً، لكنهم يدفعون ثمناً آخر من وقتهم وراحتهم في التنقل اليومي الطويل.

سوق العقارات في ريف دمشق أصبح مرآة تعكس تناقضات المرحلة، بين من يملكون ويستثمرون، ومن يبحثون عن سقف يحميهم. وهو يحكي قصة صامتة عن معاناة يومية، وعن حلم بسيط يصبح بعيد المنال.

- Advertisement -

- Advertisement -