حاوره/ مجد محمد
أكد سعيد الهويد أن رفض التعدد وتحجيم العمل السياسي لا يمثلان سوى عودة إلى الوراء وإعادة إنتاج للأزمة التي ثار السوريون ضدها، فالمستقبل لا يبنى إلا بالاعتراف بكل المكونات والتيارات السياسية، وضمان مشاركة المرأة والأقليات والشباب في صنع القرار.
في ظل الظروف المعقدة التي يعيشها السوريون، تبرز إشكالية التعددية السياسية والاجتماعية كأحد المفاصل الأساسية في مستقبل البلاد، وبينما ينادي معظم السوريين بضرورة بناء دولة ديمقراطية تقوم على الاعتراف بالتنوع، تظهر في المقابل قوى سياسية ما زالت تتمسك بذهنية الإقصاء والمركزية، وفي مقدمتها الحكومة السورية المؤقتة التي اتخذت مواقف واضحة رافضة للتعدد، وسعت إلى تقويض العمل السياسي خارج إطارها، وأن تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تظهر أن التعددية ليست خطراً بل فرصة لتعزيز الاستقرار والوحدة، ومن هنا يبقى الخيار أمام جميع القوى واضحاً، إما السير في طريق الشراكة والديمقراطية، أو البقاء أسرى عقلية الإقصاء التي لم تنتج سوى الخراب.
في هذا الشأن، وبهذا الخصوص عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع الأستاذ سعيد الهويد، عضو مجلس مدينة الحسكة، ودار الحوار التالي:
*بداية، كيف تفسرون موقف الحكومة السورية المؤقتة الرافض للتعددية ومحاولتها تحجيم العمل السياسي؟
هذا الموقف ليس مفاجئاً لنا، لأنه امتداد لذهنية متجذرة في الحياة السياسية السورية منذ عقود، تقوم على رفض الآخر ومحاولة احتكار القرار، الحكومة المؤقتة لم تستطع أن تتحرر من العقلية الأحادية التي كانت سبباً رئيسياً في اندلاع الثورة السورية أساساً، برأينا رفض التعدد هو تعبير عن أزمة في الرؤية والشرعية، لأنه يتجاهل حقيقة أن سوريا بلد غني بالتنوع القومي والديني والفكري، وأي محاولة لفرض صيغة أحادية تعني بالضرورة إعادة إنتاج الاستبداد بشكل جديد.
*ما أثر هذا النهج على مسار الحل السياسي في سوريا؟
أثره مدمر بكل معنى الكلمة، الحل السياسي لا يمكن أن يقوم إلا على أساس شراكة حقيقية بين جميع السوريين، لا على الإقصاء والاحتكار، إذا استمرت الحكومة المؤقتة في هذا النهج، فستفرغ أي عملية سياسية من مضمونها، وسيبقى السوريون يدورون في حلقة مفرغة، هذا الموقف أيضاً يضعف ثقة المجتمع الدولي بأي شراكة معها، لأن القوى الخارجية تبحث عن كيان قادر على تمثيل الكل لا جزء ضيق منه.
*كيف أثرت هذه السياسات على المعارضة السورية ككل؟
السياسات الإقصائية أدت إلى إضعاف المعارضة وتفتيتها، بدلاً من أن تكون المعارضة السورية إطاراً جامعاً لكل القوى، تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة لتصفية الحسابات وتهميش من لا يتماشى مع أجندتها، هذا أضر بصورة المعارضة أمام الشارع السوري، الذي بات يرى أن هناك أطرافاً تتصرف بعقلية لا تختلف كثيراً عن عقلية النظام.
*أنتم في الإدارة الذاتية ترفعون شعار التعددية، لكن كيف تطبقونه عملياً على الأرض؟
التعددية بالنسبة لنا ليست مجرد خطاب سياسي، بل هي ممارسة مؤسسية، في شمال وشرق سوريا جميع المكونات تشارك في صنع القرار من خلال المجالس والهيئات المحلية، العرب والكرد والسريان والأرمن والتركمان وغيرهم لهم تمثيل فعلي، والمرأة شريك كامل في كل المستويات بنسبة لا تقل عن ٥٠٪ في معظم المؤسسات، كذلك يتم احترام حرية الأحزاب والتيارات السياسية، ما دام نشاطها لا يقوم على العنف أو الإرهاب، هذه التجربة قد لا تكون مثالية، لكنها خطوة عملية في طريق بناء سوريا جديدة تقوم على الشراكة لا على الإقصاء.
*لماذا تعتقدون أن الحكومة المؤقتة ترفض الاعتراف بهذا النموذج؟
لأنها تعتبر أي نموذج ديمقراطي حقيقي تهديداً لسلطتها، الاعتراف بالتعددية يعني بالضرورة تقليص هيمنتها وفتح الباب أمام منافسين سياسيين، وهذا ما لا تريده، أيضاً لا يمكن إغفال العامل الإقليمي، فبعض القوى الداعمة للمؤقتة لا ترغب في رؤية تجربة حكم لامركزي أو ديمقراطي في سوريا، لأن ذلك يتعارض مع مصالحها، لذلك يتم رفض التجربة لا على أساس موضوعي، بل على أساس حسابات سياسية ضيقة.
*ما انعكاسات هذا الرفض على المكونات السورية المختلفة، وخاصة الأقليات؟
الأقليات هي المتضرر الأكبر من سياسات الإقصاء، عندما يتم حصر القرار السياسي بيد جهة واحدة، فإن المكونات الصغيرة تجد نفسها خارج المعادلة تماماً، مما يزيد من شعورها بالتهميش والخوف من المستقبل، نحن نؤمن أن الأقليات ليست عبئاً على سوريا، بل هي جزء أصيل من هويتها، وضمان حقوقها هو شرط أساسي لوحدة البلاد، من هنا فإن سياسة الحكومة المؤقتة في تحجيم التعدد تدفع الأقليات إلى فقدان الثقة بالعملية السياسية، وربما البحث عن حلول بديلة خارج الإطار الوطني.
*وكيف تنعكس هذه السياسات على قضية المرأة؟
المرأة في سوريا عانت لعقود طويلة من التهميش والإقصاء، وما زالت بعض القوى السياسية، ومنها الحكومة المؤقتة، تنظر إليها من زاوية تقليدية ضيقة، رفض التعددية يعني عملياً إقصاء صوت المرأة وإبعادها عن مراكز صنع القرار، وفي المقابل نحن في الإدارة الذاتية جعلنا مشاركة المرأة قاعدة أساسية لا يمكن التراجع عنها، إيماناً بأن أي مشروع سياسي يقضي نصف المجتمع محكوم عليه بالفشل، لذلك فإن السياسات الحالية للمؤقتة تعيد المرأة إلى الهامش، بينما التجارب الديمقراطية الحقيقية تضعها في قلب العملية السياسية.
*ما المخاطر الاجتماعية والسياسية لاستمرار سياسة الإقصاء؟
المخاطر متعددة، أولها تكريس الانقسام المجتمعي وزيادة فقدان الثقة بين السوريين، ثانيها فتح المجال أمام التدخلات الخارجية لاستغلال هذه الانقسامات، وثالثها تهديد وحدة سوريا مستقبلاً، لأن أي دولة تقوم على الإقصاء ستنهار عاجلاً أو آجلاً، لذلك نقول دائماً إن الاعتراف بالتنوع ليس خياراً تجميلياً، بل ضرورة وجودية لبقاء سوريا موحدة.
*ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع الدولي في هذا الملف؟
على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته، وأن يدرك أن دعم أطراف تنتهج سياسة الإقصاء يطيل عمر الأزمة السورية، المطلوب هو دعم النماذج الديمقراطية التي أثبتت قدرتها على إدارة التنوع، والضغط على القوى الإقصائية لتغيير خطابها، أيضاً يجب إشراك جميع الأطراف الفاعلة في أي عملية سياسية، وعدم الاقتصار على أطراف تقصي الآخرين، عندها فقط يمكن بناء حل مستدام يضمن مصالح الجميع.
*ما البديل الذي تطرحونه أمام نهج الحكومة المؤقتة؟
البديل هو حوار وطني شامل دون استثناء، يفضي إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة ديمقراطية لا مركزية، نحن لا نطالب بإلغاء أي طرف، بل نطالب بأن يكون هناك اعتراف متبادل بين جميع القوى، على أساس أن سوريا ملك لكل أبنائها، الدولة التي نطمح إليها هي دولة تعترف بالمواطنة المتساوية، وتمنح كل مكون حقه، وتفتح المجال أمام المرأة والشباب للمشاركة الفاعلة، هذا هو الطريق الوحيد لضمان مستقبل سوريا.
*ما رسالتكم المباشرة إلى الحكومة السورية المؤقتة؟
نقول لهم بكل بوضوح، الإقصاء لن يقود إلى حل، ورفض التعددية لن يعيد الاستقرار، إذا أردتم أن تكونوا جزءاً من مستقبل سوريا، فعليكم أن تتحرروا من العقلية القديمة وأن تعترفوا بالآخر، التجربة أثبتت أن الاستبداد سقط لأن الناس رفضوا حكم الحزب الواحد والصوت الواحد تكرار نفس الأخطاء يعني تكرار نفس النتائج، سوريا تحتاج اليوم إلى شراكة لا إلى إلغاء.
ما الذي تتوقعونه لمستقبل التعددية في سوريا إذا استمرت السياسات الإقصائية الحالية؟
إذا استمرت هذه السياسات، فسوف ندخل في دوامة جديدة من الصراعات، وربما نشهد انهياراً أكبر في بنية الدولة والمجتمع، لكننا على ثقة أن إرادة السوريين أقوى من أي مشروع إقصائي، وأن التعددية ستفرض نفسها في النهاية، لأنها تعكس حقيقة المجتمع السوري، مهمتنا هي الاستمرار في الدفاع عن هذه الحقيقة، مهما كانت الصعوبات.
*ما تأثير هذه السياسات على الشباب ودورهم في الحياة السياسية؟
الشباب هم الفئة الأكثر تضرراً من سياسات الإقصاء، لأنهم يشكلون غالبية المجتمع السوري، ومع ذلك يتم استبعادهم من المشاركة الحقيقية في صنع القرار، عندما تغلق أمامهم الأبواب السياسية، يزداد الإحباط ويبحثون عن بدائل قد تكون خطيرة، مثل الهجرة أو الانجراف وراء التيارات المتطرفة، وفي المقابل نحن في الإدارة الذاتية فتحنا المجال أمام الشباب ليكونوا في مواقع القيادة والإدارة، وأثبتوا أنهم قادرون على تقديم رؤى جديدة وحلول مبتكرة، لذلك نرى أن أي مشروع يستبعد الشباب هو مشروع ناقص محكوم عليه بالتراجع.
*كيف ترون مستقبل العلاقة بين الإدارة الذاتية وباقي القوى السياسية في حال تم الاعتراف بالتعددية؟
إذا تم الاعتراف بالتعددية فعلياً، فإن العلاقة ستكون إيجابية وبناءة، لأننا سنكون أمام أرضية مشتركة للحوار والشراكة، نحن لا نسعى للانفصال أو العزلة، بل نريد أن نكون جزءاً من سوريا ديمقراطية تتسع للجميع، الاعتراف المتبادل سيتيح العمل مع باقي القوى لبناء دستور جديد يضمن الحقوق ويحدد صلاحيات السلطات بشكل عادل، عندها يمكننا الانتقال من حالة الصراع والإنكار إلى حالة التعاون والبناء المشترك.