لكل السوريين

الموت على عجلتين… مأساة تتكرر في شوارع درعا

درعا/ رجاء مختار

عندما سمعت سمر ذلك الصوت المدوي أمام منزلها في حي الزهور، لم تكن تعلم أن حياتها على وشك أن تتغير للأبد. خرجت مسرعة لتجد ابنتها الصغيرة ياسمين البالغة من العمر خمس سنوات ممدة على الأسفلت، وجثة دراجة نارية محطمة بجانبها، وقائدها المراهق وائل يرتجف من الخوف.

تقول الأم المكلومة وهي تحتضن صورة ابنتها: “ظننت أن الشارع أمام بيتي آمن. لكن الموت كان يتربص بنا في كل لحظة”.

هذه المأساة ليست حالة معزولة في محافظة درعا، حيث تحولت الدراجات النارية من وسيلة نقل إلى أدوات قتل تسير على عجلتين.

في مقهى الحي المجاور، يجتمع زين مع أصدقائه كل مساء، وأصبح حديثهم يدور حول مخاطر هذه الظاهرة.

يقول الرجل وهو يشير إلى مراهقين يتسابقون بدراجاتهم: “تحولنا إلى حراس مرور غير رسميين. كل يوم نشهد حوادث جديدة، لكن لا أحد يتحرك لوقف هذه الكارثة”.

يتكرر المشهد في مختلف أحياء المحافظة. ففي حي الأندلس، تخبئ رولا أطفالها داخل المنزل بمجرد أن تسمع صوت محركات الدراجات.

تعترف الأم الثلاثينية: “أصبحت أعاني من كوابيس متكررة عن حوادث الطرق”. بينما زوجها مازن يحاول تهدئتها: “المشكلة أن هؤلاء المراهقين لا يدركون أنهم يلعبون بأرواح الناس. بالنسبة لهم، القيادة المتهورة نوع من إثبات الذات”.

يكشف الدكتور باسل العمر عن أرقام مقلقة تص إلى مستشفى المدينة الرئيس: “نستقبل أسبوعياً ما لا يقل عن خمس حالات إصابة ناتجة عن حوادث دراجات نارية”.

ويضيف الطبيب: “أسوأ الحالات هي تلك التي يكون الضحايا فيها من الأطفال. الأسبوع الماضي فقدنا طفلاً لم يتجاوز السابعة من عمره بسبب حادث مروع”.

في مختلف أنحاء درعا. أصبحت قيادة الدراجات النارية موضة خطيرة بين المراهقين. علي، طالب في الصف الثامن، يعترف بأنه وأصدقاءه يتسابقون في الشوارع بعد الدوام المدرسي.

يقول الفتى ببراءة: “الكبار يتحدثون عن المخاطر، لكننا نعتقد أننا أبطال عندما نسرع بدراجاتنا”. لم يكن علي يعلم أن صديقه كريم أصيب بشلل نصفي الأسبوع الماضي بعد فقدان السيطرة على دراجته.

أما في مكتب البلدية، يعترف المسؤولون بأن المشكلة تفاقمت بشكل كبير. “نواجه أزمة ثقافة قبل أن تكون أزمة مرور”، يقول رئيس قسم النقل.

ويضيف: “الأهالي يشترون الدراجات لأبنائهم المراهقين كهدايا، ثم يفاجأون عندما تحدث المأساة”. ويتابع المسؤول: “إمكانياتنا محدودة جداً، لدينا فقط ثلاث دوريات مرورية لتغطية المحافظة بأكملها”.

من جهتها، المحامية هبة الشرفا تشرح الإشكالية القانونية: “القوانين موجودة لكن التطبيق غائب. كيف نلاحق دراجات بدون لوحات؟ وكيف نثبت المخالفات بدون نظام مراقبة متكامل؟”.

وتضيف: “الأصعب أن بعض الأهالي يهددون رجال الأمن عندما يحاولون ضبط أبنائهم المخالفين”.

وتتنوع في المقاهي والمنازل، الآراء حول الحلول الممكنة. سامي، سائق شاحنة متقاعد، يقترح مصادرة أي دراجة يقودها قاصر.

بينما ترى المعلمة ندى أن الحل يبدأ من التوعية المدرسية: “الأطفال لا يدركون أنهم يلعبون بأرواح الآخرين”. أما رجال الأعمال فيطالبون بإنشاء مدارس لتعليم القيادة الآمنة.

لكن كل هذه الاقتراحات تصطدم بواقع مؤلم: الحوادث تتزايد يومياً. في قرية الصورة، فقدت عائلة أربعة أطفال في حادث مروع عندما اصطدمت دراجة نارية بسيارتهم العائلية. الجيران ما زالوا يتذكرون صرخات الأب محمود وهو يحاول إنقاذ أبنائه من الحطام المشتعل.

ويقول الخبير الاجتماعي معن القادري: “المشكلة الحقيقية ليست في الدراجات نفسها. بل في غياب الرقابة الأسرية والوعي المجتمعي”.
ويضيف: “نحتاج إلى حملة توعية شاملة تشمل كل المؤسسات المجتمعية، قبل أن نفقد المزيد من الأرواح البريئة”.

في مقبرة المدينة، تقف سمر يومياً عند قبر ابنتها ياسمين. “أريد أن تكون قصة ابنتي جرس إنذار للجميع”، تقول بين الدموع. “على كل أب أن يعي مسؤوليته، وعلى كل مراهق أن يعلم أن لحظة التهور قد تدمر حياة أسرة بأكملها”.

لكن؛ مع غروب الشمس، تعود الدراجات النارية لتجوب شوارع درعا من جديد. بعضها يحمل أطفالاً صغاراً، وبعضها يحمل مراهقين يتسابقون بتهور.

- Advertisement -

- Advertisement -