لكل السوريين

متاجر “الدولار الواحد” تنتشر في حمص.. إقبال جماهيري وتساؤلات حول جدواها الاقتصادية

شهدت شوارع مدينة حمص في الآونة الأخيرة ظهوراً لافتاً لمتاجر تحمل أسماء تجارية مثل “1 دولار” و”مملكة الدولار”، تعرض تشكيلة متنوعة من السلع بأسعار تبدأ من 10 آلاف ليرة سورية للقطعة، أي ما يعادل دولاراً أميركياً واحداً وفق سعر الصرف في السوق الموازية. هذه الظاهرة التجارية الجديدة، التي استوحت فكرتها من تجارب مماثلة في لبنان وتركيا، سرعان ما تحولت إلى محط أنظار آلاف الأسر الحمصية الباحثة عن سلع رخيصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

بدأت القصة قبل حوالي ثلاثة أشهر مع افتتاح أول فرع في حي باب هود، أحد الأحياء الشعبية المكتظة في حمص، ليتلوها بعد فترة وجيزة افتتاح فرع ثانٍ أكبر مساحة في حي الوعر. ورغم عدم وجود حقوق ملكية فكرية مسجلة لهذه العلامات التجارية، إلا أن الفكرة لاقت رواجاً سريعاً بين المستهلكين، حيث تشهد المتاجر يومياً طوابيراً طويلة من الزبائن الذين يتهافتون على شراء سلع تتراوح بين أدوات المطبخ البسيطة ومنتجات العناية الشخصية وألعاب الأطفال، بأسعار تقل بنسبة 30% إلى 50% عن مثيلاتها في الأسواق التقليدية.

تقول أم يوسف، وهي ربة منزل من سكان حي الحميدية، أثناء انتظارها دورها لدخول المتجر: “اشتريت من هنا أواني بلاستيكية وفرشاة أسنان ومعجون وعلبة ألوان لأولادي، كل قطعة بـ10 آلاف ليرة فقط. لو اشتريت هذه الأشياء من السوق العادي لدفعت ضعف المبلغ”. وتضيف بينما تشير إلى الأكياس الممتلئة بين يديها: “الأسعار معقولة جداً مقارنة بدخلي المحدود كزوجة موظف حكومي”.

لكن وراء هذا الإقبال الجماهيري الكبير، تبرز تساؤلات عديدة حول الجدوى الاقتصادية لهذا النموذج التجاري. فبحسب مصادر تجارية مطلعة، فإن هذه المتاجر تعتمد على استراتيجية “الخسارة المدروسة”، حيث تباع بعض السلع الأساسية بسعر التكلفة أو أقل منها لجذب الزبائن، بينما يتم تعويض الفارق من خلال هوامش ربح أعلى على سلع أخرى أقل طلباً. كما تعتمد هذه المتاجر بشكل أساسي على بضائع مخزنة منذ فترة طويلة أو ذات تواريخ إنتاج قريبة من الانتهاء، أو منتجات مستوردة بكميات كبيرة بأسعار الجملة.

في هذا الصدد، يوضح خالد الحمصي، تاجر جملة في سوق الهال القديم، أن “هذه المتاجر تشتري بضائعها بكميات ضخمة جداً وبأسعار تفضيلية من مستودعات قديمة أو شركات تريد التخلص من مخزونها. كما أن بعض البضائع تكون قريبة من انتهاء الصلاحية أو ذات جودة متوسطة، مما يسمح ببيعها بهذه الأسعار”.

من جهة أخرى، يبدي بعض الزبائن شكوكاً حول استمرارية هذه الأسعار المنخفضة. تقول سمر، وهي مدرسة من حي الزهراء: “اشتريت بعض المنظفات من المتجر ثم اكتشفت أن نفس الأنواع تباع في السوق بسعر أقل. يبدو أنهم يخسرون في بعض المنتجات ليجذبونا ثم يعوضون من منتجات أخرى”. وتضيف: “أيضاً لاحظت أن جودة بعض السلع ليست كما تبدو، فمثلاً الأكياس البلاستيكية التي اشتريتها كانت رقيقة جداً مقارنة بتلك التي أشتريها عادةً”.

على صعيد آخر، يشير مراقبون اقتصاديون إلى أن انتشار هذه المتاجر يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها السوريون، حيث أصبحت فكرة “الدولار الواحد” جاذبة للغاية في ظل انهيار القدرة الشرائية. فبحسب تقديرات رسمية، يحتاج المواطن السوري حالياً إلى ما يعادل 8 ملايين ليرة شهرياً لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، بينما لا يتجاوز متوسط الرواتب 500 ألف ليرة.

من الناحية التجارية، يرى رائد، وهو صاحب متجر في سوق الدبلان، أن “هذه الظاهرة ستؤثر سلباً على التجار الصغار الذين لا يستطيعون منافسة هذه الأسعار، خاصة أنهم يشترون البضائع بكميات قليلة وبأسعار أعلى”. ويضيف: “نحن نعاني أصلاً من شح السيولة وتراجع المبيعات، وهذه المتاجر ستزيد الطين بلة”.

فيما يتعلق بالتوسع المستقبلي، تشير معلومات إلى أن المستثمرين وراء هذه الفكرة يخططون لافتتاح 5 فروع جديدة في مختلف أحياء حمص خلال الأشهر القليلة القادمة، كما يجري التجهيز لافتتاح متاجر مماثلة في مدن سورية أخرى.

ورغم الجدل القائم حول هذه الظاهرة التجارية الجديدة، إلا أنها تبقى مؤشراً على قدرة القطاع الخاص السوري على ابتكار حلول تسويقية غير تقليدية في ظل الظروف الصعبة، بينما تطرح في الوقت نفسه أسئلة مهمة حول جودة المنتجات المعروضة واستدامة هذا النموذج التجاري على المدى المتوسط والبعيد. كما تبرز الحاجة إلى وجود رقابة حكومية أكثر فاعلية لضمان جودة السلع المعروضة وحماية حقوق المستهلكين في ظل هذا التنافس التجاري غير المتكافئ.

- Advertisement -

- Advertisement -