بعد تفكك الدولة المركزية في سوريا وسقوط النظام البعثي كنموذج حكم فعلي، تعيش البلاد اليوم حالة من الفراغ السياسي والتشتت الإداري، رغم مضي أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية. لم ينجح أي طرف حتى الآن في تقديم بديل وطني جامع يعكس تطلعات السوريين بمختلف مكوناتهم، فيما تحوّلت المبادرات الدولية إلى مسارات شكلية معزولة عن الواقع على الأرض.
في هذا المشهد المتغيّر، برزت ثورة 19 تموز التي انطلقت من مدينة كوباني عام 2012، كتجربة سباقة في بناء نموذج سياسي ديمقراطي لا مركزي، يقوم على إشراك المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها، ويرتكز على تمثيل حقيقي لكافة المكونات، وخاصة المرأة التي شكّلت العمود الفقري لهذا المشروع.
هذه الثورة التي تحولت إلى إدارة ذاتية منظّمة، تجاوزت كونها حالة محلية، لتقدّم اليوم خارطة طريق عملية لسوريا الجديدة؛ سوريا تتسع للجميع، وتُبنى من القاعدة لا من المركز، وتؤمن بأن العدالة لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة المرأة، وتعددية القرار، وتوزيع السلطة.
ومنذ لحظاتها الأولى، عبّرت ثورة 19 تموز عن رؤية مختلفة لإدارة الصراع والسلطة. قامت على رفض كل أشكال الهيمنة، سواء من النظام أو من المعارضة التقليدية التي أعادت إنتاج عقلية الإقصاء والمركزية. وأثبتت مع الزمن أن بناء نموذج ديمقراطي حقيقي يبدأ من المجتمع المحلي، لا من غرف التفاوض المغلقة.
توسعت التجربة من كوباني إلى باقي مناطق شمال وشرق سوريا، وظهرت الإدارة الذاتية كنظام سياسي جديد يعكس تطلعات الشعوب التي طالما همّشت تاريخيًا في المركز السوري.
وما يميز هذه الثورة عن غيرها، هو الدور الريادي للمرأة فيها. لأول مرة في تاريخ سوريا، أصبحت المرأة جزءاً أساسياً من القرار السياسي، من خلال تطبيق نظام الرئاسة المشتركة في كل مفاصل الإدارة مع تخصيص كوتا نسائية في المجالس التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتأسيس مؤسسات ومجالس واتحادات نسائية مستقلة تشارك في التشريع والسياسة والتنظيم، وصياغة قوانين تحمي حقوق المرأة وتمنع التمييز والعنف الممنهج ضدهن.
لقد أثبتت المرأة في شمال وشرق سوريا أنها ليست فقط طرفاً مستفيداً من المشروع السياسي، بل شريكٌ فعّال في إنتاجه والدفاع عنه، سواء في الجبهات العسكرية أو في المجالس المدنية أو في الحوارات السياسية.
وبعد أكثر من 14 عاماً من الحرب، بات واضحاً أن استمرار التمسك بالنموذج المركزي هو أحد أكبر معوقات الحل السياسي في سوريا. في المقابل، قدّمت تجربة الإدارة الذاتية نموذجاً عملياً لإدارة شؤون السكان بطريقة تشاركية، شفافة، وأكثر عدالة.
لا يعني ذلك الانفصال عن الدولة السورية، بل يمثل دعوة لإعادة تعريفها على أسس اللامركزية الديمقراطية، حيث تُبنى السلطة من القاعدة إلى القمة، ويُعاد توزيع الصلاحيات بشكل عادل يراعي الخصوصيات الثقافية والديمغرافية لكل منطقة.
وما تحقّق اليوم في شمال وشرق سوريا لم يكن بموجب اتفاق دولي أو دعم إقليمي، بل بفضل التنظيم الذاتي الشعبي الذي قادته المكونات المحلية. وهذا يحمل رسالة سياسية واضحة إلى كل الأطراف، أن الحل الأمني لم يعد قابلاً للتطبيق، وأن تجاهل الإرادة السياسية لشعوب ومكونات سوريا والمرأة هو إعادة إنتاج للأزمة، وأن أي مشروع حل لا يعترف بالإدارة الذاتية، كجزء من الحل السوري، هو مشروع ناقص محكوم عليه بالفشل.
وثورة 19 تموز لا تدّعي احتكار الحقيقة أو الحل، لكنها طرحت – وما زالت – مقاربة واقعية تنطلق من الأرض والناس. هذه المقاربة يمكن أن تشكل أساساً لعقد اجتماعي جديد، تُبنى عليه دولة سورية ديمقراطية، علمانية، لا مركزية، تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه، بعيداً عن هيمنة المركز وممارسات القمع والإقصاء.
وفي الذكرى الثانية عشرة لثورة 19 تموز، لم تعد التجربة في شمال وشرق سوريا مجرّد “نموذج محلي ناجح” بل أصبحت أحد أهم النماذج السياسية والاجتماعية التي أثبتت فعاليتها على الأرض في ظل انهيار أغلب الهياكل التقليدية في باقي الجغرافيا السورية.
وما تحقق في هذه البقعة من سوريا ليس مجرد حكم ذاتي إداري، بل هو مشروع سياسي يقدّم حلولاً وطنية لمشكلات بنيوية طالما فشلت الدولة المركزية في معالجتها، مثل غياب التمثيل المتوازن، واحتكار القرار السياسي، وتهميش المرأة والمكونات التاريخية.
اليوم، المرأة التي شاركت في صياغة التشريعات، وقادت المؤسسات، ووقفت في الخطوط الأمامية، ليست فقط رمزًا لتحرر المرأة، بل لميلاد مجتمع مختلف، لا يُدار بالأوامر من الأعلى، بل بالمشاركة من القاعدة، وهذه التجربة ليست بديلاً عن الدولة السورية، بل هي دعوة لإعادة تعريفها.
وثورة 19 تموز ليست حكراً على منطقة، ولا هي مشروع كردي أو محلي، إنها مشروع لكل السوريين الباحثين عن العدالة والديمقراطية. اليوم، وبعد أكثر من عقد، لا نحتاج فقط إلى تذكّرها، بل إلى الاستلهام منها في بناء سوريا جديدة، سوريا لا مركزية، متعددة، علمانية، وتضمن حقوق للمرأة والشباب، وتحترم إرادة الشعوب، لا إرادة الأنظمة أو العواصم الخارجية.
والسبيل الحقيقي اليوم لاستقرار سوريا يمر من بوابة الاعتراف بالتعددية، وبنجاح هذه التجربة التي جمعت المكونات، ومكّنت المرأة، وأعادت المعنى الحقيقي للحرية.