تدفع التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن السعودية والإمارات إلى إعادة ترتيب حساباتهما، في تحول قد يفتح الباب أمام تنسيق عسكري جديد بين البلدين، بعد أشهر من الخلافات بشأن مستقبل اليمن وتوزيع النفوذ فيه. وبينما تتزايد المخاوف الخليجية من اتساع رقعة المواجهات وتعاظم التهديدات التي تطال الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، يبدو أن الضرورات الأمنية باتت تضغط باتجاه تجاوز الخلافات المرحلية، من دون أن يعني ذلك انتهاء التنافس بين الرياض وأبوظبي.
وجاءت زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى أبوظبي، الأحد، ولقاؤه مسؤولين إماراتيين، في مقدمتهم الشيخ منصور بن زايد، نائب رئيس الدولة، ثم استقباله من الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لتسلط الضوء على مساعي إعادة تنسيق المواقف بين البلدين. ووفق وكالة الأنباء السعودية، تناولت اللقاءات مستجدات الأوضاع الإقليمية، وسبل تعزيز التعاون بما يدعم الأمن والاستقرار.
لكن أهمية هذه التحركات لا تقتصر على البيانات الدبلوماسية، إذ تتزامن مع تطورات ميدانية دفعت الملف اليمني إلى واجهة الاهتمامات الأمنية الخليجية، خصوصاً مع تصاعد المواجهات حول الساحل الغربي ومضيق باب المندب، والضغوط التي تتعرض لها القوات المناهضة للحوثيين.
تفاهم عسكري تحت ضغط الميدان
ونقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، في تقرير نشرته في 17 تشرين الأول/أكتوبر، عن مصادر يمنية أن الإمارات وافقت على استئناف دفع الأموال لبعض القوات اليمنية التي تقاتل الحوثيين في الجنوب، مقابل موافقة السعودية على توفير غطاء جوي لهذه القوات. وإذا استمر هذا الترتيب، فإنه سيمثل مؤشراً عملياً على عودة التنسيق العسكري بين الطرفين، بعد مرحلة من التباعد الحاد بشأن إدارة الصراع اليمني.
وتستند أهمية هذا التفاهم المحتمل إلى اختلاف الأدوات التي يمتلكها البلدان داخل الساحة اليمنية. فالسعودية تملك قدرات جوية وعسكرية واسعة، إلى جانب نفوذ سياسي واقتصادي في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بينما راكمت الإمارات خلال سنوات الحرب علاقات ميدانية مع تشكيلات محلية، من بينها ألوية العمالقة، التي شاركت في معارك ضد الحوثيين.
ويمكن لتنسيق الدعم المالي والغطاء الجوي أن يمنح القوات المشاركة قدرة أكبر على التحرك، لكنه لا يضمن وحده تحقيق تقدم حاسم. فنجاح أي عملية عسكرية يحتاج إلى قيادة واضحة، وتنسيق بين التشكيلات المختلفة، وتأمين خطوط الإمداد، فضلاً عن اتفاق سياسي بشأن المناطق التي قد تخرج من سيطرة الحوثيين.
باب المندب في قلب الحسابات
يتجاوز الصراع اليمني حدود المواجهة الداخلية، نظراً إلى الموقع الاستراتيجي للبلاد على البحر الأحمر وقربها من مضيق باب المندب، أحد الممرات الحيوية للتجارة العالمية ونقل الطاقة. ويمنح التقدم العسكري في المناطق الساحلية الأطراف المتحاربة قدرة على التأثير في حركة الملاحة، بما يرفع كلفة الصراع على دول المنطقة والاقتصاد الدولي.
وتواجه الرياض، في هذا السياق، تحدياً مزدوجاً يتمثل في دعم القوات المناهضة للحوثيين ومنع توسع التهديدات نحو أراضيها ومنشآتها الحيوية. أما أبوظبي، فتسعى إلى حماية مصالحها الإقليمية والحفاظ على نفوذها في جنوب اليمن، حيث ترتبط حساباتها العسكرية بمواقف القوى المحلية وتصوراتها لمستقبل الحكم في البلاد.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن السيطرة على المواقع الاستراتيجية لا تعني بالضرورة حسم الحرب، خصوصاً في ظل قدرة الحوثيين على مواصلة القتال واستهداف مواقع بعيدة عن خطوط المواجهة. كما أن أي تقدم ميداني قد يواجه تحديات تتعلق بإدارة المناطق واستقرارها، وليس فقط بانتزاع السيطرة عليها.
خلافات لم تنتهِ
ورغم التقارب الحالي، لا يمكن اعتبار التحركات السعودية الإماراتية عودة كاملة إلى نموذج التحالف الذي تشكل عام 2015. فقد كشفت السنوات الماضية عن اختلافات جوهرية في أولويات البلدين داخل اليمن، ولا سيما بشأن مستقبل الجنوب والقوى المحلية التي تحظى بدعمهما.
وكانت الخلافات قد تصاعدت مطلع العام الجاري، عندما تعرضت شحنات أسلحة مرتبطة بقوات مدعومة إماراتياً للقصف السعودي، قبل إعلان أبوظبي إنهاء مشاركتها في اليمن. وتكشف هذه التطورات أن التنافس بين الطرفين لم يكن خلافاً عابراً على تفاصيل العمليات العسكرية، بل ارتبط أيضاً بتصورات مختلفة لمستقبل الدولة اليمنية وتوازنات السلطة فيها. <Cite refs={[“turn540985search0″,”turn540985search1”]}/>
ومن هنا، فإن أي تنسيق جديد سيظل محكوماً بمدى قدرة الرياض وأبوظبي على الفصل بين المواجهة المشتركة مع الحوثيين والخلافات المتعلقة بمستقبل الجنوب، ومواقع النفوذ، وترتيبات الحكم بعد الحرب.
هل يكفي التقارب لتغيير مسار الحرب؟
يمثل التقارب السعودي الإماراتي محاولة للتعامل مع مرحلة عسكرية أكثر تعقيداً، لكنه لا يقدم بحد ذاته ضمانة لإنهاء الحرب أو إعادة الاستقرار إلى اليمن. فالمعسكر المناهض للحوثيين يضم قوى متعددة المصالح، وقد تتحول الخلافات بين مكوناته إلى عقبة أمام أي تقدم، حتى في حال توافر الدعم العسكري والمالي.
كما أن توسيع العمليات قد يرفع كلفة المواجهة على المدنيين، في بلد يعاني منذ سنوات من تدهور اقتصادي وإنساني واسع. لذلك، فإن تقييم نتائج هذا التقارب لا ينبغي أن يقتصر على المكاسب العسكرية، بل يجب أن يشمل أثره على فرص التسوية السياسية، وحماية السكان، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وفي المحصلة، قد ينجح التنسيق السعودي الإماراتي في تعزيز الضغط العسكري على الحوثيين، لكنه لن يحسم مستقبل اليمن ما لم يترافق مع تفاهمات واضحة بشأن إدارة المناطق، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الانقسامات الداخلية. فالتوافق على مواجهة خصم مشترك قد يفتح نافذة للتعاون، لكنه لا يلغي الأسئلة التي فجّرت الخلافات سابقاً، ولا يضمن أن تتحول الشراكة العسكرية إلى مشروع سياسي مستدام.