لكل السوريين

البنزين الملوّث في سوريا.. من يحاسب المتسببين بأعطال السيارات واستنزاف جيوب المواطنين؟

لم يعد شراء البنزين في سوريا مجرد عملية اعتيادية لتشغيل السيارة، بل بات بالنسبة إلى كثير من المواطنين مغامرة تبدأ عند محطة الوقود، وقد تنتهي بأعطال ميكانيكية مكلفة، وفواتير إصلاح تستنزف دخلاً لا يكاد يكفي الاحتياجات الأساسية. وبين شكاوى متداولة عن رداءة المحروقات والاشتباه بتلوث بعض الكميات، يبرز سؤال يتجاوز جودة الوقود نفسه: من يضمن أن البنزين الذي يدفع المواطن ثمنه مطابق للمواصفات، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتضرر السيارات، وأين نتائج الفحوصات التي يفترض أن تحسم الجدل؟

تكتسب القضية خطورتها من واقع اقتصادي لا يحتمل فيه معظم السوريين نفقات إضافية غير محسوبة، ومن اعتماد قطاعات واسعة على السيارات ووسائل النقل لتأمين العمل والتنقل والخدمات. ففي بلد أنهكت سنوات الحرب بنيته التحتية وقدراته الشرائية، لا يمكن التعامل مع أي خلل محتمل في جودة المحروقات باعتباره تفصيلاً فنياً، ولا اختزال المشكلة في نصائح للسائقين أو دعوات إلى تغيير محطات التعبئة، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بالرقابة والمحاسبة معلّقة.

لكن الوصول إلى الحقيقة يقتضي التمييز بين الشكوى والواقعة المثبتة؛ فليس كل عطل يظهر بعد تعبئة الوقود دليلاً قاطعاً على تلوث البنزين، كما أن تكرار الشكاوى، إن ثبت واتسع نطاقها، لا يجوز تجاهله من دون فحص فني مستقل وشفاف. وبين هذين الأمرين تقع مسؤولية الجهات المعنية في تقديم إجابات تستند إلى نتائج مخبرية، لا إلى التطمينات العامة.

شكاوى في عدة محافظات.. والوقائع تتجاوز منشورات التواصل

لم تبدأ القضية مع موجة الشكاوى الأخيرة وحدها. ففي تموز/يوليو 2026، ظهرت شكاوى من سائقين في دمشق ومحافظات أخرى بشأن أعطال مفاجئة أعقبت تعبئة البنزين، وسط تساؤلات عن جودة المادة وآليات فحصها قبل وصولها إلى المستهلك.

وفي تقرير نشرته صحيفة «عنب بلدي» في 20 تموز، تحدث سائقون عن أعطال أصابت مركباتهم بعد التزود بالوقود، فيما أشار التقرير إلى شكاوى من أصحاب محطات بشأن جودة البنزين، وإلى سحب عينات لفحصها وإعادة الصهاريج التي ثبت عدم مطابقتها للمواصفات. لكن التقرير أشار أيضاً إلى عدم الحصول على معلومات إضافية بشأن أعداد الصهاريج المرفوضة ونتائج التحاليل التفصيلية والعقوبات المتخذة بحق المخالفين.

وفي مطلع تشرين الأول/أكتوبر، عادت القضية إلى الواجهة بصورة أكثر اتساعاً، مع تداول شكاوى عن بنزين ذي لون أحمر داكن يميل إلى السواد، وظهور أعطال في مركبات بعد تعبئته. وأوردت تقارير صحفية شكاوى من مناطق في الساحل السوري، إضافة إلى دمشق وحلب وحماة والرقة ودير الزور، فيما تحدث أصحاب مركبات وفنيو صيانة عن مشكلات في مضخات الوقود والبخاخات وشمعات الاحتراق وأجزاء أخرى من منظومة التشغيل.

هذه الوقائع، كما وردت في التقارير والشهادات المنشورة، لا تكفي وحدها لإثبات أن جميع الأعطال ناجمة عن البنزين الملوث أو أن شحنة واحدة تقف وراءها جميعاً. لكنها تطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن أن تصل مادة مشتبه بعدم مطابقتها للمواصفات إلى محطات البيع، بينما يفترض أن تمر عمليات الاستيراد والاستلام والتخزين والتوزيع بمراحل من الفحص والرقابة؟

هنا تبدأ القضية الحقيقية: ليس فقط ما إذا كان البنزين ملوثاً، بل كيف وصل إلى السوق، ومن كان مسؤولاً عن منع وصوله؟

اعتراف رسمي بوجود مادة غير مطابقة.. فأين الخلل؟

في 6 تشرين الأول، أعلنت الشركة السورية للمشتقات النفطية «سادكوب» أنها تتابع الشكاوى والمقاطع المتداولة بشأن وجود بنزين غير مطابق للمواصفات في بعض المحطات.

وقالت الشركة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، إن الفرق المختصة سحبت عينات من مراحل مختلفة من سلسلة الإمداد، بدءاً من المصدر وصولاً إلى عدد من المحطات، وإن نتائج العينات المفحوصة أظهرت، حتى ذلك الوقت، مطابقتها للمواصفات المعتمدة.

لكن البيان نفسه أقر برصد حالات لمادة غير مطابقة للمواصفات في السوق المحلية، موضحاً أن التحقيقات تركز على تحديد مصدرها، والحلقة التي وصلت من خلالها، وأسباب وجودها.

هذا التفصيل هو جوهر القضية. فمطابقة بعض العينات التي جرى فحصها لا تعني بالضرورة أن جميع الكميات المتداولة مطابقة، كما أن رصد مادة مخالفة في السوق يستدعي تحديد مكان اكتشافها، والكميات التي شملتها، والفترة التي جرى تداولها خلالها، وما إذا كانت قد وصلت بالفعل إلى خزانات المركبات.

والسؤال الذي ينتظر المواطن إجابة عنه ليس ما إذا كانت هناك عينات سليمة، بل كيف وصلت المادة غير المطابقة إلى السوق رغم وجود منظومة يفترض أن تمنع ذلك؟

إذا كان الخلل قد وقع خلال الاستيراد، فمن المسؤول عن قبول الشحنة؟ وإذا حدث أثناء التخزين أو النقل، فأين كانت إجراءات مراقبة الجودة؟ وإذا دخلت المادة إلى السوق عبر محطة مخالفة، فما نتائج التفتيش على تلك المحطة، وما الإجراءات التي اتخذت بحق المسؤولين عنها؟

أما إذا كان الخلل قد وقع في مرحلة أخرى من سلسلة الإمداد، فمن واجب الجهات المعنية تحديدها بالأدلة، بدلاً من ترك المواطنين أمام روايات متضاربة وتفسيرات غير محسومة.

تحقيق حكومي جديد.. لكن أين النتائج؟

في 10 تشرين الأول، أعلنت وكالة «سانا» أن معاون وزير الطاقة لشؤون النفط، غياث دياب، يتابع ميدانياً أسباب الخلل المرتبط بمادة البنزين ضمن منظومة الشركة السورية للبترول، بتوجيه من وزير الطاقة محمد البشير.

وبحسب الإعلان الرسمي، تشمل المتابعة مراحل استيراد المادة وفحصها واستلامها وتخزينها ونقلها وتوزيعها، إلى جانب التحقق من أوجه القصور المحتملة، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة من يثبت تورطه في التلاعب أو الفساد أو الإهمال أو التقصير وفق الأصول القانونية.

كما أشارت الوزارة إلى استمرار الجولات الرقابية لمتابعة البنزين منذ وصول الصهاريج إلى المحطات، مروراً بتعبئة خزاناتها، وصولاً إلى بيعه للمستهلكين.

إن توسيع نطاق التحقيق ليشمل سلسلة الإمداد بأكملها خطوة مهمة، لكنه لا يمثل بحد ذاته نتيجة نهائية. فالإعلان عن متابعة ميدانية لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بمصدر الخلل، ولا يحدد حجم المادة المخالفة، ولا يوضح عدد المركبات المتضررة، ولا يكشف ما إذا كانت هناك مسؤوليات إدارية أو فنية أو تجارية قد ثبتت.

وفي القضايا التي تمس أموال المواطنين وسلامة ممتلكاتهم، لا ينبغي أن تنتهي المساءلة عند تشكيل فرق فنية أو الإعلان عن جولات تفتيشية. المطلوب نتائج يمكن التحقق منها، وإجراءات معلنة، وجدول زمني واضح لإنهاء التحقيق وإبلاغ الرأي العام بما توصلت إليه الجهات المختصة.

والأهم أن تكون نتائج الفحوصات قابلة للمراجعة، وأن تتضمن معلومات عن العينات ومواقع سحبها وتواريخها والمواصفات التي جرى اختبارها، مع نشر النتائج التي تسمح بها الاعتبارات القانونية والفنية. فكلما كانت المعلومات أكثر وضوحاً، تراجعت مساحة الشائعات والاتهامات غير المثبتة.

فاتورة العطل يدفعها المواطن.. فمن يعوضه؟

في الظروف الاقتصادية الراهنة، لا ينتهي الضرر المحتمل من الوقود غير المطابق عند توقف السيارة عن العمل. فالمركبة بالنسبة إلى كثير من السوريين أداة لكسب الرزق، سواء كانوا يعملون في النقل أو التوصيل أو التجارة أو يستخدمونها للوصول إلى أماكن عملهم.

وعندما تتعطل السيارة، تتراكم الأعباء: أجرة سحبها إلى ورشة الصيانة، وتكلفة الفحص، وشراء قطع الغيار، وأجور الإصلاح، فضلاً عن خسارة الدخل خلال فترة التوقف.

وقد نقلت تقارير صحفية تقديرات متفاوتة لتكاليف الإصلاح، إلى جانب شهادات عن أعطال في مضخات الوقود والبخاخات ومكونات أخرى. لكن هذه التكاليف لا يمكن تعميمها على جميع الحالات، كما أن تحديد العلاقة السببية بين الوقود والضرر يحتاج إلى فحص فني لكل مركبة وظروفها.

ومع ذلك، فإن غياب آلية واضحة لاستقبال مطالبات المتضررين والتحقق منها وتسويتها يترك أصحاب المركبات أمام نزاع قد يصعب عليهم تحمّل نفقاته.

من حق المواطن أن يعرف إلى أي جهة يتقدم بشكواه، وكيف يثبت الضرر، وما الوثائق المطلوبة، ومن يتحمل المسؤولية إذا أثبت التحقيق أن عطلاً لحق بمركبته بسبب وقود غير مطابق جرى طرحه في السوق.

ولا يكفي مطالبة المتضررين بتقديم الشكاوى إذا لم تكن هناك إجراءات معلنة لمعالجتها. كما لا يجوز تحميل أصحاب المركبات مسؤولية إثبات خلل في سلسلة توريد لا يملكون الوصول إلى سجلاتها أو نتائج فحوصاتها.

المطلوب آلية رسمية تتيح تسجيل الأضرار، وفحص عينات الوقود عند الإمكان، وتوثيق الأعطال وتكاليف إصلاحها، ثم البت في المطالبات وفق نتائج التحقيق والقواعد القانونية النافذة. وإذا ثبتت مسؤولية جهة معينة عن الضرر، فيجب أن تكون هناك وسيلة عملية لإنصاف المتضررين ومحاسبة المسؤولين.

الرقابة بعد وقوع الضرر ليست بديلاً عن الرقابة المسبقة

تكشف القضية، بصرف النظر عن النتيجة النهائية للتحقيق، أهمية التمييز بين الرقابة التي تمنع دخول الوقود غير المطابق إلى السوق، وتلك التي تتحرك بعد وصوله إلى المستهلكين.

فالرقابة الفعالة تبدأ قبل طرح المادة للبيع، من خلال فحص الشحنات والتحقق من مطابقتها للمواصفات، ثم تستمر أثناء التخزين والنقل والتوزيع، وصولاً إلى أخذ عينات من المحطات بصورة دورية ومفاجئة.

أما عندما لا تتحرك المنظومة إلا بعد انتشار الشكاوى وتعطل المركبات، فإن السؤال يصبح متعلقاً بفاعلية الإجراءات الوقائية نفسها.

ولا يعني ذلك أن كل خلل يمكن اكتشافه بالضرورة قبل وصول الوقود إلى المستهلك، لكن وجود منظومة رقابية يفرض على الجهات المسؤولة توضيح ما جرى، وتحديد موضع القصور إن وجد، وشرح الإجراءات التي ستمنع تكراره.

- Advertisement -

- Advertisement -